صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : تفسير حقي |
إذ جاء ربه بقلب سليم (84)
{ اذ جاء ربه } منصوب باذكر { بقلب سليم } الباء للتعدية اى بقلب سليم من آفات القلوب بل من علاقة من دون الله مما يتعلق بالكونين ومعنى مجيئة به ربه اخلاصه له كأنه جاء به متحضنا اياه بطريق التمثيل والافليس القلب مما ينقل من مكان الى مكان حتى يجاء به (12/10)
إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (85)
{ اذ قال } الخ بدل من اذ الاولى { لابيه } آزر بن باعر بن ناحور بن نافع بن سالح بن ارفخشد ابن سام بن نوح { وقومه } وكانوا عبدة الاصنام { ماذا تعبدون } استفهام انكارى وتوبيخ اى أى شئ تعبدون (12/11)
أئفكا آلهة دون الله تريدون (86)
{ أفكا آلهة دون الله تريدون } الافك اسوء الكذب اى أتريدون آلهة من دون الله افكا اى للافك فقدم المفعول على الفعل للعناية ثم المفعول له على المفعول به لان الاهم مكافحتهم بانهم على افك آلهتهم وباطل شركهم (12/12)
فما ظنكم برب العالمين (87)
{ فما ظنكم } اى أي شئ ظنكم فما مبتدأ خبره ظنكم { برب العالمين } اذا لقيتموه وقد عبدتم غيره ان يغفل عنكم اولا يؤاخذكم بما كسبت ايديكم اى لاظن فكيف القطع (12/13)
قال فى كشف الاسرار [ دردل ابراهيم بود كه بتان ايشان را كيدى سازد تاحجت برايشان الزام كنند وآشكارا نمايد كه ايشان معبودى را نشايند روزى وياران وى كفتند كه اى ابراهيم بيا تابصحرا بيرون شويم وبعيد كاه ما برويم ]
فنظر نظرة في النجوم (88)
{ فنظر } ابراهيم { نظرة فى النجوم } جمع نجم وهو الكوكب الطالع اى فى علمها وحسابها اذ لو نظر الى النجوم انفسها لقال الى النجوم وكان القوم يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه واعتل فى التخلف عز عيدهم اى عن الخروج معهم الى معبدهم (12/14)
فقال إني سقيم (89)
{ فقال انى سقيم } (12/15)
قال فى المفردات السقم والسقم المرض المختص بالبدن والمرض قد يكون فى البدن وفى النفس . وقوله انى سقيم فمن التعريض والاشارة به اما الى ماض واما الى مستقبل واما الى قليل مما هو موجود فى الحال اذ كان الانسان لا ينفك من خلل يعتريه وان كان لا يحس به ويقال مكان سقيم اذا كان فيه خوف انتهى
وقال ابن عطاء انى سقيم من مخالفتكم وعبادتكم الاصنام او بصدد الموت فان من فى عنقه الموت سقيم وقد فوجئ رجل فاجتمع عليه الناس وقالوا مات وهو صحيح فقال اعرابى أصحيح من الموت فى عنقه وايا ما كان فلم يقل الا عن تأول فان العارف لا يقع فى انهتاك الحرمة ابدا وكان ذلك من ابراهيم لذب عن دينه وتوسل الى الزام قومه
قال عز الدين بن عبد السلام الكلام وسيلة الى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل اليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام فان امكن التوصل اليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح ان كان تحصيل ذلك المقصود مباحا . وواجب ان كان ذلك المقصود واجبا فهذا ضابطه
وفى الاسئلة المقحمة ومن الناس من يجوز الكذب فى الحروب لاجل المكيدة والخداع وارضاء الزوجة والاصلاح بين المتهاجرين والصحيح ان ذلك لا يجوز ايضا فى هذه المواضع لان الكذب فى نفسه قبيح والقبيح فى نفسه لا يصير حسنا باختلاف الصور والاحوال وانما يجوز فى هذه المواضع بتأويل وتعريض لا بطريق التصريح . ومثاله يقول الرجل لزوجته اذا كان لا يحبها كيف لا احبك انت حلالى وزوجتى وقد صحبتك وامثال هذه فاما اذا قال صريحا بانى احبك وهو يبغضها فيكون كذبا محضا ولا رخصة فيه . مثاله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا اراد النهضة نحو يمينه كان يسأل عن منازل اليسار ليشبه على العدو من أى جانب يأتيه واما اذا كان يقصد جانبا ويقول امضى الى جانب آخر فهذه من قبيلها انتهى .
وكان القوم يتطيرون من المريض فلما اسمعوا من ابراهيم ذلك هربوا منه الى معبدهم وتركوه فى بيت الاصنام فريدا ليس معه احد
فتولوا عنه مدبرين (90)
وذلك قوله تعالى { فتولوا عنه } فاعرضوا وتفرقوا عن ابراهيم { مدبرين } هاربين مخافة العدوى اى السراية (12/16)
وقال بعضهم ان المراد بالقسم هو الطاعون وكان اغلب الاسقام وكانوا يخافون العدوى
يقول الفقير المشهور ان الطاعون قد فشا فى بنى اسرائيل ولم يكن قبلهم الا على رواية كما قال عليه السلام « الطاعون رجز ارسل على بنى اسرائيل او على من كان قبلكم »
فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91)
{ فراغ الى آلهتهم } اى ذهب اليها فى خفية واصله الميل بحيلة من روغة الثعلب وهو ذهابه فى خفية وحيلة (12/17)
قال فى القاموس راغ الرجل والثعلب روغا وروغانا مال وحاد عن الشئ
وفى تاج المصادر [ الروغ والروغان : روباهى كردن ] [ والروغ : بنهان سوى جيزى شدن ]
وفى التهذيب [ الروغ والروغان : دستان كردن ] { فقال } للاصنام استهزاء [ جون ديد ايشانرا آراسته وخوانهاى طعام عند الاصنام لتحصل له البركة بسببها ]
ما لكم لا تنطقون (92)
{ ما لكم لا تنطقون } اى ما تصنعون غير ناطقين بجوابى : وبالفارسية [ جيست شمارا كه سخن نمى كوييد ومرا جوابى ندهيد ] (12/18)
فراغ عليهم ضربا باليمين (93)
{ فراغ عليهم } فمال مستعليا عليهم حال كونه يضربهم { ضربا باليمين } او حال كونه ضاربا باليمين اقوى الجارحتين واشدهما وقوة الآلة تقتضى قوة الفعل وشدته (12/19)
وقيل بالقوة والمتانة وعلى ذلك مدار تسمية الحلف باليمين لانه يقوى الكلام ويؤكده
وقيل بسبب الحلف وهو قوله { وتالله لأكيجن اصنامكم } فلما رجعوا من عيدهم الى بيت الاصنام وجدوها مكسورة : يعنى [ باره باره كشته ] فسألوا عن الفاعل فظنوا عن ابراهيم عليه السلام فعله فقيل فاثبوا به
فأقبلوا إليه يزفون (94)
{ فاقبلوا } اى توجه المأمورون باحضاره { اليه } الى ابراهيم (12/20)
قال ابن الشيخ اليه يجوز ان يتعلق بما قبله وبما بعده { يزفون } حال من واو اقبلوا اى يسرعون من زفيف النعام وهو ابتداء عدوها
قال فى المفردات اصل الزفيف فى هبوب الريح وسرعة النعامة التى تخلط الطيران بالمشى وزفزف النعام اذا اسرع ومنه استعير زف العروس استعارة ما تقتضى السرعة لالاجل مشيها ولكن للذهاب بها على خفة من السرور
قال أتعبدون ما تنحتون (95)
{ قال } اى بعدما وتوا به وجرى بينهم وبينه من المحاورات ما نطق به قوله تعالى { قالوا أانت فعلت هذا بآلهتنا يا ابراهيم } الى قوله { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } { أتعبدون } همزة الاستفهام للانكار { ما تنحتون } ما تنحتونه من الاصنام فما موصولة . والنحت نحت الشجر والخشب ونحوهما من الاجسام : وبالفارسية [ تراشيدن يعنى آيامى يرستيند آنجه مى تراشيد ازسنك وجوب بدست خود ] (12/21)
والله خلقكم وما تعملون (96)
{ والله خلقكم } حال من فاعل تعبدون مؤكدة للانكار والتوبيخ اى الحال انه تعالى خلقكم والخالق هو الحقيق بالعبادة دون المخلوق { وما تعملون } اى وخلق ما تعملونه من الاصنام وغيرها فان جواهر اصنامهم ومادتها بخلقه تعالى وشكلها وان كان بفعلهم لكنه باقدار الله تعالى اياهم عليه وخلقه ما يتوقف عليه فعلهم من الدواعى والعدد والاسباب فلم يلزم ان يكون الشئ مخلوقا لله تعالى ومعمولا لهم وظهر من فحوى الآية ان الافعال مخلوقة لله تعالى مكتسبة للعباد حسبما قالته اهل السنة والجماعة وبالاكتساب يتعلق الثواب والعقاب : قال المولى الجامى (12/22)
فعل ماخواه زشت وخواه نكو ... يك بيك هست آفريدة او
نيك وبد كرجه مقتضاى قضاست ... اين خلاف رضا وآن برضاست
قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (97)
{ قالوا } [ كفت نمردود وخواص او ] (12/23)
وقال السهيلى فى التعريف قائل هذه المقالة لهم فيما ذكر الطبرى اسمه الهيزن رجل من اعراب فارس وهم الترك وهو الذى جاء فى الحديث « بينا رجل يمشى فى حلة يتبختر فيها فخسف به فهو يتجلجل فى الارض الى يوم القيامة » { ابنوا له بنيانا } [ بنا كنيد براى سوختن ابراهيم بنايى واز هيزم برساخته آتش دران زنيد ] روى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال بنوا حائطا من حجر طوله فى السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملأوه حطبا واشعلوه نارا وطرحوه فيها كمال قال { فالقوه فى الجحيم } فى النار الشديدة الايقاد : وبالفارسية [ بس طرح كنيد ودر افكنيد اورا در آتش سوزان ] من الجمجمة وهى شدة التأجج والالتهاب واللام عوض عن المضاف اليه اى ذلك البنيان
فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98)
{ فارادوا به كيدا } اى شرا وهو ان يحرقوه بالنار عليه السلام لما قهر لهم بالحجة وألقمهم الحجر قصدوا ان يكيدوا به ويحتالوا لاهلاكه كما كاد اصنامهم بكسره اياهم لئلا يظهر للعامة عجزهم والكيد ضرب من الاحتيال كما فى المفردات { فجعلناهم الاسفلين } الاذلين بابطال كيدهم وجعله برهانا نيرا على علو شانه عليه السلام بجعل النرا عليه بردا وسلاما على ما سبق تفصيل القصة فى سورة الانبياء (12/24)
فان قلت لم ابتلاه تعالى بالنار فى نفسه
قلت لان كل انسان يخاف بالطبع من ظهور صفة القهر كما قيل لموسى عليه السلام { ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى } فاراه تعالى ان النار لا تضر شيأ الا باذن الله تعالى وان ظهرت بصورة القهر وصفته وكذلك اظهر الجمع بين المتضادين بجعلها بردا وسلاما
وفيه معجزة قاهرة لاعدائه فانهم كانوا يعبدون النار والشمس والنجوم ويعتقدون وف الربوبية لها فاراهم الحق تعالى انها لا تضر الا باذن الله تعالى
وقد ورد فى الخبر ان النمردود لما شاهد النار كانت على ابراهيم بردا وسلاما قال ان ربك لعظيم نتقرب اليه بقرابين فذبح تقربا اليه آلافا كثيرة فلم ينفعه لاصراره على اعتقاد وعمله وسوء حاله : قال المولى الجامى
يافت ناكان آن حكيمك راه ... ييش جمعى زاو لياء الله
فصل دى بود ومنقل آتش ... شعله ميزد ميان ايشان خوش
شد بتقريب آتش ومنقل ... از خليل برى زنقص وخلل
ذكر آن قصة كهن بتمام ... كه برونار كشت برد وسلام
آن حكيمك زجهل واستكبار ... كفت بالطبع محرق آمدنار
آنجه بالطبع محرقست كجا ... كردد از متقضاى طبع جدا
يكى از حاضران زغيرت دين ... كفت هين دامنت بيار وببين
منقل آتشش بدامان ريخت ... آتش خجلتش زجان آنكيخت
كفت دركن ميان آتش دست ... هيج كرمى ببين در آتش هست
جون نه دستش بسوخت نى دامن ... شد ازان جهل اوبرو روشن
طبع راهم مسخر حق ديد ... جانش ازتيركئ عقل رهيد
اكر آن علم او يقين بودى ... قصة اوكى اينجنني بودى
علم كامد يقين زبيم زوال ... بيقين ايمن است درهمه حال
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99)
{ وقال } ابراهيم بعدما انجاه الله تعالى من النار قاله لمن فارقه من قومه فيكون ذلك توبيخا لهم او لمن هاجر معه من اهله فيكون ذلك ترغيبا لهم { انى ذاهب الى ربى } اى مهاجر من ارض حران او من بابل او قرية بين البصرة والكوفة يقال لها هرمز بحره الى حيق امرنى ربى وهو الشام او الى حيث اتجرد فيه لعبادته تعالى أى موضع كان فان الذهاب الى ذات الرب محال اذ ليس فى جهة (12/25)
وفى بحر العلوم ولعله امره الله تعالى بان يهجر دار الكفر ويذهب الى موضع يقدر على زيادة الصخرة التى هى قبلته وعلى عمارة المسجد الحرام او هى القرية التى دفن فيها كما امر نبينا بالجهرة من مكة الى المدينة
وفى بعض التواريخ دفن ابراهيم بارض فلسطين وهى بكسر الفاء وفتح اللام وسكون السين المهملة البلاد التى بين الشام وارض مصر منها الرملة وغزة وعسقلان وغيرها { سيهدين } الى مقتصدى الذى اردت وهو تعالى معه ولم يكن كذلك حال موسى حيث قال { عسى ربى ان يهدينى سواء السبيل } ولذلك اتى بصيغة التوقع
وهذه الآية اصل فى الهجرة من ديار الكفر الى ارض يتمكن فيها من اقامة وظائف الدين والطاعة واول من فعل ذلك ابراهيم هاجر مع لوط وصار الى الارض المقدسة
قال فى كشف الاسرار [ برذوق اهل معرفت { انى ذاهب الى ربى } اشارتست بانقطاع بنده ومعنى انقطاع باحق بريدنست در بدايت بجهد ودر نهايت بكل بدايت تن درسعى وزبان در ذكر وعمر در جهد ونهايت باخلق عاريت وباخود بيكانه واز تعلق آسوده ]
وصل ميسر نشود جز بقطع ... قطع نخست از همه ببريدنست
فمن بقى له فى القلب لمحة للعالم باسره الملك والملكوت لم ينفتح له باب العلم بالله من حيث المشاهدة ولم يدخل عالم الحقيقة
واسطى [ كفت خليل ازخلق بحق مى شد وحبيب ازحق بخلق مى آمد اوكه ازخلق بحق شود حق را بدليل شناسد واوكه ازحق بخلق آيد دليل را بحق شناسد ] روى ان ابراهيم عليه السلام لما جعل الله النار عليه بردا وسلاما واهلك عدوه النمردود وتزوج بسارة وكانت احسن النساء وجها وكانت تشبه حواء فى حسنها عزم الانتقال من ارض بابل الى الشام [ بس روى مبارك بشام نهاد ودران راه هاجر بدست ساره خاتون افتاد وآنرا بابراهيم بخشيد وجون هاجر ملك يمين وى شد دعا كرده كه ]
رب هب لي من الصالحين (100)
{ رب } [ اى برودكار من ] { هب لى من الصالحين } المراد ولد كامل الصلاح عظيم الشأن فيه اى بعض الصالحين يعيننى على الدعوة والطاعة ويؤنسنى فى الغربة يعنى الولد لان لفظ الهبة على الاطلاق خاصا به وان كان قدورد مقيدا بالاخ فى قوله { ووهبنا له من رحمتنا اخاه هرون نبيا } (12/26)
فبشرناه بغلام حليم (101)
ولقوله تعالى { فبشرناه بغلام حليم } فانه صريح فى ان المبشر به غيرما استوهبه عليه السلام . والغلام الطار الشارب والكهل ضد او من حين يولد الى ان يشيب كما فى القاموس (12/27)
وقال بعض اهل اللغة الغلام من جاوز العشر واما من دونها فصبى والحليم من لا يعجل فى الامور ويتحمل المشاق ولا يضطرب عند اصابة المكروه ولا يحركه الغضب بسهولة . والمعنى بالفارسية [ يس مرده داديم اورا يفرزندى بردبار يعنى جون ببلوغ رسد حليم بود ] ولقد جمع فيه بشارات ثلاث بشارة انه غلام وانه يبلغ اوان الحلم فان الصبى لا يوصف بالحلم وانه يكون حليما وأى حلم يعادل حلمه حين عرض عليه ابوه الذبح وهو مراهق فاستسلم
قال الكاشفى [ بس خداى تعالى اسماعيل را ازهاجر بوى ارزانى داشت وبحكم سبحانه از زمين شام هاجر يسر آورده را بمكة برد واسماعيل آنجا نشو ونمايافت ]
فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102)
{ فلما بلغ } الغلام { معه } مع ابراهيم { السعى } الفاء فصيحة معربة عن مقدر اى فوهبنا له فنشأ فلما بلغ رتبة ان يسعى معه فى اشغاله وحوائجه ومصالحه ومعه متعلق بالسعى وجاز لانه طرف فيكفيه رائحة من الفعل لا يبلغ لاقتضائه بلوغهما معا حد السعى ولم يكن معا كذا فى بحر العلوم . وتخصيصه لان الادب اكمل فى الرفق والاستصلاح فلا نستسعيه قبل اوانه لانه استوهبه لذلك وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة { قال } ابراهيم { يا بنى } [ اى بسرك من تصغيرشفقت است ] { انى ارى فى المنام انى اذبحك } قربانا لله تعالى اى ارى هذه الصورة بعينها او ما هذه عبارته وتأويله (12/28)
وقيل انه رأى ليلة التروية كأن قائلا يقوله له ان الله يأمرك بذبح ابنك هذا فلما اصبح روى فى ذلك من الصباح الى الرواح أمن الله تعالى هذا الحلم ام من الشيطان فمن ثمة سمى يوم التروية فلما امسى رأى مثل ذلك فعرف انه من الله تعالى فمن ثمة سمى يوم عرفة ثم رأى فى الليلة الثالثة فهم بنحره فسمى اليوم يوم النحر { فانظر ماذا } منصوب بقوله { ترى } من الرأى فيما القيت اليك : وبالفارسية [ بس در نكر درين كارجه جيزى بينى رأى توجه تقاضا ميكند ] فانما يسأله عما يبديه قلبه ورأيه أى شئ هل هو الامضاء او التوقف فقوله ترى من الرأى الذى يخطر بالبال لا من رؤية العين وانما شاوره فيه وهو امر محتوم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله تعالى فتثبت قدمه ان جزع ويأمن ان سلم ويكتسب المثوبة عليه بالانقياد له قبل نزوله وتكون سنة فى المشاورة . فقد قيل لو شاور آدم الملائكة فى اكله من الشجرة لما فرط منه ذلك { قال يا ابت افعل } [ كفت اى بدربكن ] { ما تؤمر } [ آنجه فرموده شد بدان ] اى ما تؤمر به فحذف الجار او لا على القاعدة المطردة ثم حذف العائد الى الموصول بعد انقلابه منصوبا بايصاله الى الفعل او حذفا دفعة او افعل امرك اضافة المصدر الى المفعول وتسمية المأمور به امرا وصيفة المضارع حيث لم يقل ما امرت للدلالة على ان الامر متعلق به متوجه اليه مستمر الى حين الامتثال به ولعله فهم من كلامه انه رأى ذبحه مأمورا به ولذا قال ما تؤمر وعلم ان رؤيا الانبياء حق وان مثل ذلك لا يقدمون عليه الا بامر
وانما امر به فى المنام دون اليقظة مع ان غالب وحى الانبياء ان يكون فى اليقظة ليكون مبادرتهما الى الامتثال ادل على كمال الانقياد والاخلاص . قالوا رؤيا الانبياء حق من قبيل الوحى فانه يأتيهم الوحى من الله ايقاظا اذ لا تنام قلوبهم ابدا ولانه لطهارة نفوسهم ليس للشيطان عليهم سبيل
وفى اسئلة الحكم لم امر الله تعالى ابراهيم بذبح ولده فى المنام ورؤيا الانبياء حق وقتل الانسان بغير حق من اعظم الكبائر
قيل امره فى المنام دون اليقظة لانه ليس شئ ابغض الى الله من قتل المؤمن { ستجدنى } [ زود باشد كه يابى مرا ] ثم استعان بالله فى الصبر على بلائه حيث استثنى فقال { ان شاء الله } ومن اسند المشيئة الى الله تعالى والتجأ اليه لم يعطب { من الصابرين } على الذبح او على قضاء الله تعالى قال الذبيح من الصابرين ادخل نفسه فى عداد الصابرين فرق عليه وموسى عليه السلام تفرد بنفسه حيث قال للخضر
{ ستجدنى ان شاء الله صابرا } فخرج . والتفويض اسلم من التفرد واوفق لتحصيل المرام ولما كان اسماعيل فى مقام التسليم والتفويض الى الله تعالى وقف وصبر ولما كان موسى فى صورة المتعلم ومن شأن المتعلم ان يتعرض لاسناذه بالاعتراض فيما لم يفهمه خرج ولم يصبر (12/29)
وقال بعضهم ظاهر موسى تعرض وباطنه تسليم ايضا لانه انما اعترض على الخضر بغيره الشرع
فلما أسلما وتله للجبين (103)
{ فلما اسلما } اى استسلم ابراهيم وابنه لامرا الله وانقادا وحضعا له : وبالفارسية [ بس هنكام كه كردن نهادند خدايرا ] يقال سلم لامر الله واسلم واستسلم بمعنى واحد قرئ بهن جميعا واصلها من قولك سلم هذا لفلان اذا خلص له ومعناه سلم ان ينازع فيه وقولهم سلم لامر الله واسلم له منقولان منه ومعناهما اخلص نفسه لله وجعلها سالمة وكذلك معنى استسلم استخلص نفسه لله تعالى (12/30)
وعن قتادة فى اسلما اسلم ابراهيم ابنه واسماعيل نفسه { وتله للجبين }
قال فى القاموس تله صرعه والقاه على عنقه وخده . والجبين احد جانبى الجبهة فللوجه فوق الصدغ جبينان عن يمين الجبهة وشمالها
قال الراغب اصل التل المكان المرتفع والتليل العنق وتله للجبين اسقطه على التل او على تليله
وقال غيره صرعه على شقه فوقع جبينه على الارض لمباشرة الامر بصبر وجلد ليرضيا الرحمن ويحزنا الشيطان وكان ذلك عند الصخرة من منى او فى الموضع المشرف على مسجد منى او فى المنحر الذى ينحر فيه اليوم وروى ان ابليس عرض لابراهيم عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم عرض له عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب تم مضىبراهيم لامر الله تعالى وعزم على الذبح ومنه شرع رمى الجمرات فى الحج فهو من واجبات الحج يجب بتركه الفدية باتفاق الائمة
قال فى التأويلات النجمية ومن دقة النظر فى رعاية آداب العبودية فى حفظ حق الربوبية فى القصة ان اسماعيل امر اباه ان يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب اذا مسه ألم الذبح فيعاتب ثم لما هم بذبحه قال افتح القيد عنى فانى اخشى ان اعاتب فيقال لى أمشدود اليد حبيبى يطيعنى
ولوبيد الحبيب سقيت سما ... لكان السم من يده يطيب
وقد قيل ضرب الحبيب يطيب
ازدست تومشت بردهان خوردن ... خوشتركه بدست خويش نان خوردن
وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105)
{ وناديناه ان } مفسرة لمفعول ناديناه المقدر اى ناديناه بلفظ هو قولنا { يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا } بالعزم على الاتيان بالمأمور به وترتيب مقدماته : وبالفارسية [ بدرستى كه راست كردى خوابى كه ديده بودى ] (12/31)
وفى شرح الفصوص للمولى الجامى اى حققت الصورة المرئية وجعلتها صادقة مطابقة للصورة الحسية الخارجية بالاقدام على الذبح والتعرض لمقدماته وقد قيل انه امر السكين بقوته على حلقه مرارا فلم يقطع ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين
آن توكل توخليلانه ترا ... تانبرد تيغت اسماعيل را
فعند ذلك وقع النداء
وفى الخبر سأل نبينا عليه السلام جبريل هل اصابك مشقة وتعب فى نزولك من السماء قال نعم فى اربعة مواضع . الاول حين القى ابراهيم فى النار كنت تحت العرش قال الله تعالى ادرك عبدى فادركته وقلت له هل لك من حاجة فقال اما اليك فلا . والثانى حين وضع ابراهيم السكين على حلق اسماعيل كنت تحت العرش قال الله تعالى ادرك عبدى فادركته طرفة عين فقلبت الكسين . والثالث حين شبحك الكفار وكسروا رباعيتك يوم احد قال الله تعالى ادرك دم حبيبى فانه لوسقطن من دمه على الارض قطرة ما اخرجت منها نباتا ولا شجرا فقبضت دمك بكفى ثم رميته فى الهواء . والرابع حين القى يوسف فى الجب قال الله تعالى ادرك عبدى فادركته قبل ان وصل الى قعر الجب واخرجت حجرا من اسفل البئر فاجلسته عليه . وجواب لما محذوف ايذانا بعدم وفاء التعبير بتفاصيل كأنه قيل كان ما كان مما لا يحيط به نطاق البيان من استبشارهما وشكر هما لله تعالىعلى ما انعم الله به عليهما من رفع البلاء بعد حلوله والتوفيق سلما لم يوفق احد لمثله واظهار فضلهما بذلك على العالمين مع احراز الثواب العظيم الى غير لك
قال بعض العارفين الانسان مجبول على حب الولد فاقتضت غيره الخلة ومقام المحبة ان يقطع علاقة القلب عن غيره فامر بذبح ولده امتحانا واختبارا له ببذل احب الاشياء فى سبيل الله من غير توقف واشعارا للملائكة بانه خليل الله لا يسعه غير الحق فليس المبتغى منه تحصيل الذبح انما هو اخلاء السر عنه وترك عادة الطبع
وقال المولى الجامى غلبت عليه محبة الحق حتى تبرأ من ابيه فى الحق ومن قومه وتصدى لذبح ابنه فى سبيل الله وخرج عن جميع ماله مع كثرته المشهورة لله تعالى ورد فى الخبر انه كان له خمسة آلاف قطيع من الغنم فتعجب الاغنام عليها اطواق الذهب فطلع ملك فى صورة آدمى على شرف الوادى فسبح قائلا سبوح قدوس رب الملائكة والروح فلما سمع الخليل تسبيح حبيبه اعجبه وشوقه نحو لقائه فقال يا انسان كرر ذكر ربى فلك نصف مالى فسبح بالتسبيح المذكور فقال كرر تسبيح خالقى فلك جميع اموالى مما ترى من الاغنام والغلمان وكانوا خسمة آلاف غلام فانصفت الملائكة وسلمت بخلته كما سلمت بخلافة آدم وهذا من جملة الاسرار التى جعل بها ابا ثانيا لنا
يقول الفقير اغناه الله القدير سمعت من شيخى قدس سره انه قال ان ابراهيم له الاحراز بجميع مراتب التوحيد مراتب التوحيد من الافعال والصفات والذات وذلك لان الحجب الكلية ثلاثة هى المال والولد والبدن فتوحيد الافعال انما يحصل بالفناء عن المال وتوحيد الصفات بالفناء عن الولد وتوحيد الذات بالفناء عن الجسم والروح فتلك الحجب على الترتيب بمقابلة هذه المقامات من التوحيد فاخذت الله من ابراهيم المال تحقيقا للتوحيد الاول وابتلاه بذبح الولد تحقيقا للتوحيد الثانى وبجسمه حين رمى به فى نار نمرود تحقيقا للتوحيد الثالث فظهر بهذا كله فناؤه فى الله وبقاؤه بالله حققنا الله وايكم بحقيقة التوحيد واوصلنا واياكم الى سر التجريد والتفريد { انا كذلك نجزى المحسنين } تعليل لتفريج تلك الكربة عنهما باحسانهما واحتج به من جوز النسخ قبل وقوع المأمور به فانه عليه السلام كان مأمورا بالبذبح ولم يحصل
قال فى اسئلة المقحمة وهذه القصة حجة على المعتزلة فان الآية تدل على ان الله تعالى قد يأمر بالشئ ولا يريده فانه تعالى امر ابراهيم بذبح ولده ولم يرد ذلك منه والمعتزلة لا يجوزون اختلاف الامر والارادة
إن هذا لهو البلاء المبين (106)
{ ان هذا } [ بدرستى كه اين كار ] { لهو البلؤا المبين } الابتلاء البين الذى يتميز فيه المخلص من غيره او المحنة البينة الصعوبة اذ لا شئ اصعب منها (12/32)
قال البقلى اخبر سبحانه وتعالى ان هذا بلاء فى الظاهر ولا يكون بلاء فى الباطن لان فى حقيقته بلوغ منازل المشاهدات وشهود اسرار حقائق المكاشفات وهذا من عظائم القربات واصل البلاء ما يحجبك عن مشاهدة الحق لحظة ولم يقع هذا البلاء بين الله وبين احبابه قط فالبلاء لم عين الولاء
قال الحريرى البلاء على ثلاثة اوجه على المخالفين نقم وعقوبات وعلى السابقين تمحيص وكفارات وعلى الاولياء والصديقين نوع من الاختبارات
جاميا دل بغم ودرد نه اندرره عشق ... كه مردره آنكس كه نه اين درد كشيد
وفديناه بذبح عظيم (107)
{ وفديناه بذبح } بما يذبح بدله فيتم به الفعل المأمور وهر فرى الاوداج وانهار الدم اى جعلنا الذبح بالكسر اسم لما يذبح فداء له وخصلناه به من الذبح : وبالفارسية [ وفدا داديم اسماعيل را بكبشى ] والفادى فى الحقيقة هو ابراهيم وانما قال وفديناه لانه تعالى هو المعطى له والآمر به على التجوز فى الفداء او الاسناد { عظيم } اى عظيم الجثة سمين وهى السنة فى الاضاحى كما قال عليه السلام « عظموا ضحاياكم فانها على الصراط مطاياكم » او عظيم القدر لانه يفدى به الله نبيا نبيين عظيمين احدهما اعظم من الآخر وهما اسماعيل ومحمد عليهما السلام لانه كان محمد فى صلب اسماعيل انتهى (12/33)
وفى اسئلة الحكم لم عظم الله الذبح مع ان البدن اعظم فى القربان من الكبش لانها تنوب عن سبعة الجواب لشدة المناسبة بين الكبش وبين النفس المسلمة الفانية فى الله فانه خلق مستسلما للذبح فحسب فيكون الكبش فى الآخرة صورة الموت يذبح على الصراط كما كان صورة الفناء الكلى والتسليم والانقياد ولذلك المعنى عظمه الله تعالى لان فضل كل شئ بالمعنى لا بالصورة اذ فضل الصورة تابع لفضل المعنى بخلاف البدنة فان المقصود الاعظم منها الركوب وحمل الاثقال عليها قيل كان ذلك كبشا من الجنة
وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه الكبش الذى قربه هابيل فتقبل منه وكان يرعى فى الجنة حتى فدى به اسماعيل وحينئذ تكون النار التى نزلت فى زمن هابيل لم تأكله بل رفعته الى السماء وحينئذ يكون قول بعضهم فنزلت النار فاكلته محمولا على التسمح كما فى انسان العيون . ويحتمل ان تتجسم الروح كما تتجسم المعانى وتبقى ابدا فلا ينافى ان تأكله النار فى زمن هابيل ان يذبحه ابراهيم ثانيا
وروى انه هرب من ابراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى اخذه فبقى سنة فى الرمى
وروى انه رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده كما سبق
وروى انه لما ذبحه قال جبريل « الله اكبر الله اكبر » فقال الذبح « لا اله الا الله والله اكبر » فقال ابراهيم « الله اكبر ولله الحمد » فبقى سنة
واعلم ان الذبح ثلاثة وهو ذبح هابيل ثم ذبح ابراهيم ثم ذبح الموت فى صورة الكبش . وكذا الفداء فانه فداء اسماعيل بكبش هابيل وفداء المؤمنين يوم القيامة يفدى عن كل مؤمن بكافر يأخذ المؤمن بناصيته فيلقيه فى النار وفداء الله عن الحياة الابدية بالموت يذبح فى صورة الكبش على الصراط فيلقى به فى النار بشارة لاهل الجنة بالخلود الدائم وتبكيتا لاهل النار بالعقوبة الدائمة
ففيه اشارة الى مراتب التوحيد فذبح هابيل اشارة الى توحيد الذات والفناء الكلى فى ذات الله تعالى فذبحه اعظم من كل ذبح وفداؤه اتم من كل فداء
قالوا ان الدم اذا تعين على الحاج فلا يسقط عمن تعين عليه ولما تعين ذبح ولد ابراهيم لم يسقط عنه الدم اصلا ففداه الله تعالى بكبش عظيم حيث جعله بدل افساد نبى مكرم فحصل الدم ان وجب فلا يرتفع ولذا من نذر بذبح ولده لزمه شاة عند الحنفية فصارت صورة ولد ابراهيم صورة الكبش يساق الى الجنة يدخل فيها فى أى صورة شاء فذبحت صورة الكبش ولبست صورة ولد ابراهيم صورة الكبش وهذا سبب العقيقة التى كل انسان مرهون بعيقته ولو لم يفد الله بالكبش لصار ذبح الناس واحدا من ابنائهم سنة الى يوم القيامة
وتحقيق المقام انه كان كبش ظهر فى صورة ابن ابراهيم فى المنام لمناسبة واقعة بينهما وهى الاستسلام والانقياد فكان مراد الله الكبش لا ابن ابراهيم فما كان ذلك المرئى عند الله الا الذبح العظيم متمثلا فى صورة ولده ففدى الحق ولده بالذبح العظيم وهذا كمال ان العلم يرى فى صورة اللبن فليس ما يرى فى حضرة الخيال عين اللبن وحقيقته فلو تجاوز ابراهيم عليه السلام عما رآه فى حضرة الخيال الى المعنى المقصود منه بان يعبر ذبح ابنه فى منامه بذبح الكبش الذى فى صورته لما ظهر لاهل الآفاق كمال فنائه وتمام استسلامه وكذلك انقياد ابنه لكن الله سبحانه اراد اراءة استسلامهما واظهار انقيادهما لامره تعالى فاخفىعليه تعبير رؤياه وستر المقصود من المنام حتى صدق الرؤيا وفعل ما فعل لتلك الحكمة العيلة
واختلف ( فى ان الذبيح اسماعيل او اسحاق فذهب اكثر المفسرين الى الاول لوجوده ذكرت فى التفاسير ولان قرنى الكبش كانا معلقين بالكعبة الى ان احترق البيت واحترق القرنان فى ايام ابن الزبير والحجاج ولم يكن اسحاق ثمة
وفى فضائل القدس كان فى السلسة التى فى وسط القبة على صخرة الله درة يتيمة وقرنا كبش ابراهيم وتاج كسرى معلقات فيها ايام عبد الملك بن مروان فلما صارت الخلافة الى بنى هاشم حولوا الى الكعبة حرسها الله انتهى
يقول الفقير هذا يقتضى ان لا تأكل النار الكبش الذى جاء فداء لان بقاء القرن من موجبات ذلك واكل النار القربان كان عادة الهية من لدن آدم الى زمان نبينا عليه السلام ثم رفع عن قربان هذه الامة
اللهم الا ان يحمل على احد وجوه .
الاول ان معنى اكل النار القربان احراقه بحيث يخرج عن الانتفاع به وهذا لا يوجب كون القرنين حريقين بالكلية . والثانى ان الذى كان يحرقه النار ليس جثة القربان بمجموعها من القرن الى القدم بل ثروبه واطايب لحمه كما روى ان بنى اسرائيل كانوا اذا ذبحوا قربانا وضعوا ثروبه واطايب لحمه فى موضع فيدعو النبى فتأتى نار فتأكله فلا يلزم ان يكون جميع اجزائه مأكولة محروقة . (12/34)
والثالث انه محمول على التمسح كما سب فى قربان هابيل (12/35)
فان قلت قد صح ان عبد المطلب نذر ان يذبح ولدا ان سهل الله حفر بئر زمزم او بلغ بنوه عشرة فلما سهل الله فخرج السهم على عبد الله والد رسول الله منعه اخواله ففداه بمائة من الابل ولذلك سنت الدية بمائة فقد روى انه فرق لحوم القرابين المذكورة الى الفقراء ولم تأكلها النار فكيف كان سنة الهية بين جميع الملل
قلت المتقرب ان كان جاهليا فلا شك ان قربانه غير معتد به وان كان اسلاميا فلا بد ان يكون فى محضر بنى من الانبياء اذ هو الذى يدعو فتأتى النار كما لا يخفى على من له حظ او فى من علم التفسير والتأويل ) وذهب ( الى الثانى بعض ارباب الحقائق والتوفيق بين الروايتين عند التحقيق ان صورة الذبح جرى فى الظاهر الى حقيقة اسماعيل اولا ثم سرى ثانيا الى حقيقة اسحاق لتحققه ايضا بمقام الارث الا براهيمى من التسليم والتفويض والانقياد الذى ظهر فى صورة الكبش ولهذا السر اشتركا فى البشارة الالهية { وبشرناه بغلام حليم : وبشرناه باسحق } فكان اسماعيل واسحاق مختلفين فى الصورة والتشخيص متفقين فى المعنى والحقيقة فان شئت قلت ان الذبيح هو اسماعيل وان شئت قلت انه اسحاق فانت مصيب فى كل من القولين فى الحقيقة لما عرفت ان احدهما عين الآخر فى التحقق بسر ابراهيم عليه وعليهما السلام الى يوم القيام
وتركنا عليه في الآخرين (108)
{ وتركنا عليه } اى ابقينا على ابراهيم { فى الآخرين } من الامم (12/36)
سلام على إبراهيم (109)
{ سلام على ابراهيم } اى هذا الكلام بعينه كما سبق فى قصة نوح (12/37)
كذلك نجزي المحسنين (110)
{ كذلك نجزى المحسنين } الكاف متعلقة بما بعدها وذلك اشارة الى ابقاء ذكره الجميل فيما بين الامم الى ما اشير اليه فيما سبق فلا تكرار اى مثل ذلك الجزاء الكامل نجزى المحسنين لا جزاء ادنى منه يعنى ان ابراهيم من المحسنين وما فعلناه به مما ذكر مجازاة له على احسانه (12/38)
إنه من عبادنا المؤمنين (111)
{ انه من عبادنا المؤمنين } الراسخين فى الايمان على وجه الايقان والاطمئنان (12/39)
وفى التأويلات النجمية اى من عبادنا المخلصين لا من عباد الدنيا والهوى والسوى
وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112)
{ وبشرناه } اى ابراهيم : والتبشير بالفارسية [ مزده دادن ] وهو الاخبار بما يظهر سرورا فى المخبر به ومنه تباشير الصبح لما ظهر من اوائل ضوئه { باسحق } من سارة رضى الله عنها { نبيا من الصالحين } اى مقضيا بنبوته مقدرا كونه من الصالحين وبهذا الاعتبار وقعا حالين ولا حاجة الى وجود المبشر به وقت البشارة فان وجود ذى الحال ليس بشرط وانما الشرط مقارنة تعلق الفعل به لاعتبار معنى الحال (12/40)
وفى التاويلات النجمية { نبيا } اى ملهما من الحق تعالى كما قال بعضهم حدثنى قلبى عن ربى { من الصالحين } اى من المستعدين لقبول الفيض الالهى بلا واسطة انتهى .
وفى ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه وايماء الى انه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل بالفعل على الاطلاق وقد سبق الكلام المشبع فيه فى اواخر سورة يوسف
وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113)
{ وباركنا عليه } على ابراهيم فى اولاده : وبالفارسية [ وبركت داديم بر ابراهيم ] { وعلى اسحق } بان اخرجنا من صلبه انبياء من بنى اسرائيل وغيرهم كايوب وشعيب او افضنا عليهما بركات الدين والدنيا { ومن ذريتهما محسن } فى عمله او لنفسه بالايمان والطاعة { وظالم لنفسه } بالكفر والمعاصى { مبين } ظاهر ظلمه (12/41)
وفيه تنبيه على ان الظلم فى اولادهما وذريتهما لا يعود عليهما بعيب ولا نقيصة وان المرء يجازى بما صدر من نفسه طاعة او معصية لا بما صدر من اصله وفرعه كما قال { ولا تزر وازرة وزر اخرى } وان النسب لا تأثير له فى الصلاح والفساد والطاعة والعصيان فقد يلد الصالح العاصى والمؤمن الكافر وبالعكس ولو كان ذلك بحسب الطبيعة لم يتغير ولم يتخلف
وفيه قطع لاطماع اليهود المفاخرين بكونهم اولاد الانبياء وفى الحديث « يا بنى هاشم لا يأتينى الناس باعمالهم وتأتونى بانسابكم » الواو فى وتأتونى واو الصرف ولهذا نصب وتأتونى حذف نون تأتون علامة للنصب وهذه النون نون الوقاية اى لا يكون اعمال الناس وانسابكم مجتمعين فائتونى بالاعمال والغرض تقبيح افتخارهم لديه عليه السلام بالانساب حين يأتى الناس بالاعمال
أتفخر باتصالك من على ... واصل البولة الماء القراح
وليس بنافع نسب زكى ... تدنسه صنائعك القباح
وقال بعضهم
وما ينفع الاصل من هاشم ... اذا كانت النفس من باهله
وقبيلة باهلة عرفوا بالدناءة لانهم كانوا يأكلون بقية الطعام مرة ثانية ويأكلون نقى عظام الميتة
كر بنكرى باصل همه بنى آدمند ... زان اعتبار جملة عزيز ومكرمند
بيش اند ناس صورة نسناس سيرتان ... خلقى كه آدمند بخلق وكرم كمند
وفى المثل « ذهب الناس وما بقى الا النسناس » وهم الذين يتشبهون بالناس وليسوا بالناس او هم خلق فى صورة الناس وقال بعضهم
اصل را اعتبار جندان نيست ... روى همجوورد خندان نيست
مى زغوره شود شكر ازنى ... عسل از نحل حاصلست بقى
فعلى العاقل ترك الاغترار بالانساب والاحساب والاجتهاد فيما ينفعه يوم الحساب
وكان زين العابدين رضى الله عنه يقول اللهم انى اعوذ بك ان تحسن فى لوامع العيون علانيتى وتقبح سريرتى ومن الله التوفيق
ولقد مننا على موسى وهارون (114)
{ ولقد مننا على موسى وهرون } المنان فى صفة الله تعالى المعطى ابتداء من غير ان يطلب عوضا يقال من عليه منا اذا اعطاه شيأ ومن عليه منة اذا اعد نعمته عليه وامتن وهو مذموم من الخلق لا من الحق كما قال تعالى { بل الله يمن عليكم } والمعنى وبالله لقد انعمنا على موسى واخيه هارون بالنبوة وغيرها من النعم الدينية والدنيوية (12/42)
ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (115)
{ ونجيناهما وقومهما } وهم بنو اسرائيل { من الكرب العظيم } من تعذيب فرعون واذى قومه القبط وقد سبق معنى الكرب فى هذه السورة ولما كانت النتيجة عبارة عن التخليص من المكروه وهى لا تقتضى الغلبة اتبعها بقوله (12/43)
ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116)
{ ونصرناهم } اى موسى وهارون وقومهما { فكانوا } بسبب ذلك { هم } فحسب { الغالبين } على عدوهم فرعون وقومه غلبة لا غاية وراءها بعد ان كان قومهما فى اسرهم وقسرهم مقهورين تحت ايديهم (12/44)
وفيه اشارة الى تنجية موسى القلب وهارون السر من غرق بحر الدنيا وماء شهواتها ونصرتهما مع صفاتهما على فرعون النفس وصفاتها فليصبر المجاهدون على انواع البلاء الى ان تظهر آثار الولاء فان آخر الليل ظهور النهار وغاية الخريف والشتاء طلوع الازهار والانوار : قال الحافظ
جه جورها كه كشيدند بلبلان ازدى ... ببوى آنكه دكر نوبهار باز آمد
وآتيناهما الكتاب المستبين (117)
{ وآتيناهما } بعد ذلك المذكور من النتيجة { الكتاب المستبين } اى البليغ والمتناهى فى البيان والتفصيل وهو التوراة فانه كتاب مشتمل على جميع العلوم التى يحتاج اليها فى مصالح الدين والدنيا قال تعالى { انا انزلنا التورة فيها هدى ونور } فاستبان مبالغة بان بمعنى ظهر ووضح وجعل الكتاب بالغا فى بيانه من حيث انه لكماله فى بيان الاحكام وتمييز الحلال عن الحرام كأنه يطلب من نفسه ان يبينها ويحمل نفسه على ذلك وقيل هذه السين كهى فى قوله يستسخرون فان بان واستبان وتبين واحد نحو عجل واستعجل وتعجل فيكون معناه الكتبا المبين (12/45)
وهديناهما الصراط المستقيم (118)
{ وهديناهما } بذلك الكتاب { الصراط المستقيم } الموصل الى الحق والصواب بما فيه من تفاصيل الشرائع وتفاريع الاحكام (12/46)
وفى كشف الاسرار وهديناهما دين الله الاسلام اى ثبتناهما عليه واستعير الصراط المستقيم من معناه الحقيقى وهو الطريق المستوى للدين الحق وهو ملة الاسلام وهذا امر تحقق عقلا فقد نقل اللفظ الى امر معلوم من شانه ان ينص عليه ويشار اليه اشارة عقلية ولاجل تحققه سميت هذه الاستعارة بالتحقيقية
وفيه اشارة الى ايتاء العلوم الحقيقة والالهامات الربانية والهداية بذلك الى الحضرة الواحدية والاحدية
وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام على موسى وهارون (120)
{ وتركنا عليهما فى الآخرين سلام على موسى وهارون } اى ابقينا عليهما فيما بين الامم الآخرين هذا الذكر الجميل والثناء الجزيل فهم يسلمون عليهما ويقولون سلام على موسى وهارون ويدعون لهما دعاء دائما الى يوم الدين (12/47)
إنا كذلك نجزي المحسنين (121)
{ انا كذلك } اى مثل هذا الجزاء الكامل { نجزى المحسنين } لذين هما من جملتهم لاجزاء قاصرا عنه (12/48)
إنهما من عبادنا المؤمنين (122)
{ انهما من عبادنا المؤمنين } يشير الى ان طريق الاحسان هو الايمان فالايمان هو مرتبة الغيب والاحسان هو مرتبة المشاهدة ولما كان الايمان ينشأ عن المعرفة كان الاصل معرفة الله والجرى على مقتضى العلم فالانسان من حيث ما يتغذى نبات ومن حيث ما يحس ويتحرك حيوان ومن حيث الصورة التخطيطية فكصورة فى جدار وانما فضيلته بالنطق والعلم والفهم وسائر الكمالات البشرية وفى الحديث « ما فضلكم ابو بكر بكثير صوم ولا صلاة ولكن بسر وقر فى صدره » ومن آثار هذا السر الموقور ثباته يوم موت الرسول عليه السلام وعدم تغيره كسائر الاصحاب حيث صعد المنبر وقرأ { وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل } الآية فكان ايمانه اقوى وثباته اوفى ومشاهدته اعلى (12/49)
وإن إلياس لمن المرسلين (123)
{ وان الياس لمن المرسلين } اى الى بنى اسرائيل وهو الياس بن ياسين بن شير بن فخاص بن الغيرار بن هارون ابن عمران وهو من سبط هارون اخى موسى بعث بعد موسى هذا هو المشهور وعليه الجمهور ودل عليه ما فى بعض المعتبرات ان الموجود من الانبياء بابدانهم العنصرية اربعة اثنان فى السماء ادريس وعيسى واثنان فى الارض الخضر والياس فادريس والياس اثنان من حيث الهوية والتشخيص (12/50)
وقال جماعة من العلماء منهم احمد بن حنبل ان الياس هو ادريس ويعقوب هو اسرائيل ويونس هود والنون وعيسى هو المسيح ومحمد هو احمد صلوات الله عليهم اجمعين ووافقهم فى ذلك بعص اكابر المكاشفين فعلى هذا معناه ان هوية ادريس مع كونها قائمة فى انيته الياس الباقى الى الآن فتكون من حيث العين والحقيقة واحدة ومن حيث التعين الصورى اثنتين كنحو جبرائيل وميكائيل وعزرائيل يظرهون فى الآن الواحد فى مائة الف مكان بصور شتى كلها قائمة بهم وكذلك ارواح الكمل كما يروى عن قضيب البان الموصلى قدس سره انه كان يرى فى زمان واحد فى مجالس متعددة مشتغلا فى كل بامر غير ما فى الآخر وليس معناه ان العين خلع الصورة الادريسية ولبس الصورة الالياسية والالكان قولا بالتناسخ
إذ قال لقومه ألا تتقون (124)
{ اذ قال } اى اذكر وقت قوله { لقومه ألا تتقون } اى عذاب الله تعالى : وبالفارسية [ آيانمى ترسيد ازعذاب الهى ] (12/51)
أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين (125)
{ أتدعون بعلا } أتعبدونه اى لا تعبدوه ولا تطلبوه منه الخير . والبعل هو الذكر من الزوجين ولما تصور من الرجل استعلاء على المرأة فجعل سائسها والقائم عليها شبه كل مستعل على غيره به فسمى باسمه فسمى العرب معبودهم الذى يتقربون به الى الله بعلا لاعتقادهم ذلك . فالبعل اسم صنم كان لاهل بك من الشام وهو البلد المعروف اليوم ببعلبك وكان من ذهب طوله عشرون ذراعا وله اربعة اوجه وفى عينيه ياقوتتان كبيرتان فتنوا به وعظموه حتى اخدموه اربعمائة سادن وجعلوهم انبياءه فكان الشيطان يدخل جوفه ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس { وتذرون احسن الخالقين } وتتركون عبادته (12/52)
الله ربكم ورب آبائكم الأولين (126)
{ الله ربكم ورب آبائكم الاولين } بالنصب على البدلية من احسن الخالقين والتعرض لذكر ربوبيته تعالى لآبائهم للاشعار ببطلان آرائهم ايضا . ثم ان الخلق حقيقة فى الاختراع والانشاد والابداع ويستعمل ايضا بمعنى التقدير والتصوير وهو المراد به ههنا لان الخلق بمعنى الاختراع لا يتصور من غير الله حتى يكون هو احسنهم كما قال الراغب (12/53)
ان قيل قوله { فتبارك الله احسن الخالقين } يدل على انه يصح ان يوصف غيره بالخلق
قيل ذلك معناه احسن المقدرين او يكون على تقدير ما كانوا يعبدون ويزعمون ان غير الله يبدع فكأنه قيل وهب ان ههنا مبدعين وموجدين فالله تعالى احسنهم ايجادا على ما يعتقدون كما قال خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم انتهى .
وعبد الخالق عند الصوفية المتحققين هو الذى يقدر الاشياء على وفق مراد الحق لتجليه له بوصف الخلق والتقدير فلا يقدر الا بتقديره له تعالى
قال الامام الغزالى رحمه الله اذا بلغ العبد فى مجاهدة نفسه بطريق الرياضة فى سياستها وسياسة الخلق مبلغا ينفرد فيه باستنباط امور لم يسبق اليها ويقدر مع ذلك على فعلها والترغيب فيها كان كالمخترع لما لم يكن له وجود قبل اذ يقال لواضع الشطرنج انه الذى وضعه واخترعه حيث وضع ما لم يسبق اليه انتهى .
يقول الفقير ان بعض الكمل كانوا يتركون فى مكانهم بدلا منهم على صورتهم وشكلهم ويكونون فى امكنة فى آن واحد كما روى عن قضيب البان فيما سبق فهو من اسرار هذا المقام لانه انما يقدر عليه بعد المظهرية للاسم الخالق والوصول الى سره فاعرف واكتم وصن وصم
فكذبوه فإنهم لمحضرون (127)
{ فكذبوه } اى الياس { فانهم } بسبب تكذيبهم اياه { لمحضرون } لمدخلون فى النار والعذاب لا يغيبون منها ولا يخفف عنهم كقوله { وما هم بمخرجين } لان الاحضار المطلق مخصوص بالشر عرفا (12/54)
إلا عباد الله المخلصين (128)
{ الا عباد الله المخلصين } استثناء متصل من فاعل كذبوه (12/55)
وفيه دلالة على ان من قومه من لم يكذبه ولم يحضر فى العذاب وهم الذين اخلصهم الله تعالى بتوفيقهم للايمان والعمل بموجب الدعوة والارشاد
وتركنا عليه في الآخرين (129)
{ وتركنا عليه } وابقينا على الياس { فى الآخرين } من الامم (12/56)
سلام على إل ياسين (130)
{ سلام على الياسين } اى هذا الكلام بعينه فيدعون له ويثنون عليه الى يوم القيامة وهو لغة فى الياس كسيناء فى سينين فان كل واحد من طور سيناء وطور سينين بمعنى الآخر زيد فى احدهما الياء والنون فكذا الياس والياسين وقرئ باضافة آل الى ياسين لانهما فى المصحف مفصولان فيكون ياسين ابا الياس والياسين وقرئ باضافة آل الى ياسين لانهما فى المصحف مفصولان فيكون ياسين ابا الياس والآل هو نفس الياس (12/57)
إنا كذلك نجزي المحسنين (131)
{ انا كذلك } مثل هذا الجزاء الكامل { نجزى المحسنين } احسانا مطلقا ومن جملتهم الياس (12/58)
إنه من عبادنا المؤمنين (132)
{ انه } لا شبهة ان الضمير لالياس فيكون الياس والياسين شخصا واحدا وليس الياسين جمع الياس كما دل عليه ما قبله من قوله سلام على نوح وسلام على ابراهيم وسلام على موسى وهرون { من عبادنا المؤمنين } (12/59)
قال الكاشفى [ ايمان اسميست من جميع كمالات صورى ومعنوى ونام بندكى بتشريفيست خاص ازبراى اهل اختصاص ]
اكر بندة خويش خوانى مرا ... به از مملكت جاودانى مرا
شهانى كه بابخت فرخنده اند ... همه بندكاز ترا بنده اند
روى انه بعث بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون ثم كالب بن يوقنا ثم حزقيل ثم لما قبض الله حزقيل النبى عظمت الاحداث فى بنى اسرائيل ونسوا عهد الله وعبدوا الاوثان وكانت الانبياء من بنى اسرائيل يبعثون بعد موسى بتجديد ما نسوا من التوراة وبنوا اسرائيل كانوا متفرقين بارض الشام وكان سبط منهم حلوا ببعلبك ونواحيها من ارض الشام وهم السبط الذين كان منهم الناس فلما اشركوا وعبدوا الصنم المذكور وتركوا العمل بالتوراة بعث الله الياس اليهم نبيا وتبعه يسع بن اخطوب وآمن به وكان على سبط الياس ملك اسمه اجب وكان له امرأة يقال لها ازبيل يستخلفها على رعيته اذا غاب عنهم وكانت تبرز للناس وتقضى بينهم وكانت قتالة للانبياء والصالحين يقال انها هى التى قتلت يحيى بن زكريا عليهما السلام وقد تزوجت سبعة من ملوك بنى اسرائيل وقتلتهم كلهم غيلة وكانت معمرة يقال انها ولدت سبعين ولدا وكان لزوجها اجب جار صالح يقال له مزدكى وكانت له جنينة يعيش فى جنب قصرهما فحسدته فى ذلك حتى اذا خرج الملك الى سفر بعيد امرت جمعا من الناس ان يشهدوا على مزدكى انه سب زوجها اجب فاطاعوها فيه وكان فى حكم ذلك الزمان يحل قتل من سبب الملك اذا قامت عليه البينة فاحضرته فقالت له بلغنى انك شتمت الملك فانكر فاحضرت الشهود فشهدوا عليه بالزور فامرت بقتله واخذت جنينة غصبا ثم لما قدم الملك اوحى الله الى الياس ان يخبرهما بان الله قد غضب عليهما لوليه مزدكى حين قتلاه ظلما وآلى على نفسه انهما ان لم يتوبا عن صنيعهما ولم يردا الجنينة على ورثة مزدكى ان يهلكهما فى جوف الجنينة ثم يدعهما جيفتين ملقاتين حتى تتعرى عظامهما من لحومهما فلما سمعا ذلك اشتد غضبهما الى الياس ولم يظهر منهما ولا من قومهما الا المخالفة والعصيان والاصرار الى ان هم الملك بتعذيب الياس وقتله فلما احس الياس بالشر خرج من بينهم لان الفرار مما لا يطاق من سنن المرسلين وارتقى الى اصعب جبل وارفعه فدخل مغارة فيه يقال انه بقى فيها سبع سنين يأكل من نبات الارض وثمار الشجر وهم فى طلبه قد وضعوا عليه العيون والله تعالى ستره كما وقع مثله لاصحاب الكهف فلما طال عصيانهم دعا عليهم بالقحط والجوع سبع سنين فقال الله تعالى الياس انا ارحم بخلقى من ذلك وان كانوا ظالمين ولكن اعطيك مرادك ثلاث سنين فقحطوا بتلك المدة فلم يقلعهم ذلك عن الشرك ولما رأى ذلك منهم الياس دعا الله تعالى بان يريحه منهم فقيل له اخرج يوك كذا الى موضع كذا فما جاءك من شئ فاركبه ولا تهبه فخرج الياس فى ذلك اليوم ومعه خادمه أليسع فوصل الموضع الذى امر فاستقبله فرس من نار وجميع الآلة من النار حتى وقف بين يديه فركب عليه فانطلق به الفرس الى جانب السماء فناداه أليسع ما تأمرنى فقذف اليه الياس بكسائه من الجو الاعلى : يعنى [ كه ترا خليفة خويش كردم بر بنى اسرائيل ] ورفع الله الياس من بين اظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان انسيا ملكيا ارضيا سماويا
قال بعضهم كان قد مرض واحس بالموت فبكى فاوحى الله اليه لم تبكى أحرصا على الدنيا ام جزعا من الموت ام خوفا من النار قال لا ولكن وعزتك جلالك انما جزعى كيف يحمدك الحامدون بعدى ولا احمدك ويذكرك الذاكرون بعدى ولا اذكرك ويصوم الصائمون بعدى ولا اصوم ويصلى المصلون بعدى ولا اصل فقيل له ايا الياس لاؤخرنك الى وقت لا يذكرنى ذاكر يعنى يوم القيامة وسلط الله على قومه عدوا لهم من حيث لا يشعرون فاهلكم وقتل اجب وامرأته ازبيل فى جنبنة مزدكى فلم تزل جيفتاهما ملقاتين فيها الى ان بليت لحومهما ورمت عظامهما ونبأ الله أليسع وبعثه الى بنى اسرائيل وايده فآمنت به بنوا اسرائيل وكانوا يعظمونه ويطيعونه وحكم الله فيهم قائم الى ان فارقهم أليسع روى ان الياس والخضر عليهما السلام يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ويوافيان الموسم فى كل عام وهما آخر من يموت من بنى آدم
وقيل ان الياس موكل بالفيافى جمع فيفاة بمعنى الصحراء والحضر موكل بالبحار وذكر انهما يقولان عند افتراقهما من الموسم ما شاء الله لا يسوق الخير الا الله .
ما شاء الله لا يصرف السوء الا الله . ما شاء الله ما يكون من نعمة فمن الله . ما شاء الله توكلنا على الله حسبنا الله ونعم الوكيل [ محمد بن احمد العابد كويد رد مسجد اقصى نشسته بودم ورز آزينه بعد ازنماز ديكر كه دو مرد ديدم يكى برصف وهيئت ما وآن ديكر شخصى عظيم بود قدى بلند وييشانى فراخ بهن صدر وذارعين اين شخص عظيم ازمن دور نشست وآن ييركه برصفت وقد ما بود فراييش آمد وسلام كرد جواب سلام دادم وكفتم « من انت رحمك الله » توكيستى وآنكه ازما دور نشسته است كيست كفت من خضرم واو برادرم الياس از كفتار ايشان دردل من هراس آمد وبلرزيدم خضر كفت « لا بأس عليك نحن نحبك » ماترا دوست داريم جه انديشه برى . (12/60)
آنكه كفتيا هركه روز آزينه نماز ديكر بكزارد وروى بسوى قبله كند وتا بوقت فروشدن آفتاب همى كويد « يا الله يا رحمن » رب العزة دعاى وى مستجاب كرداند وحاجت وى روا كند كفتم « آنستنى آنسك الله بذكره » كفتم طعام توجه باشد كفت كرفس وكماءة كفتم طعام الياس جه باشد كفت دو رغيف خوارى هرشب وقت افطار كفتم مقام او كجا باشد كفت در جزار دريا كفتم شما كى فراهم آييد كفت جون يكى از اولياء الله از دنيا بيرون شود هردو بروى نماز كنيم ودر موسم عرفات فراهم آييم وبعد از فراغ مناسك او موى من باز كند ومن هوى اوباز كنم كفتم اولياء الله را همه شناسى كفت قومى معدودرا شناسم كفت جون رسول خدا صلوات الله عليه ازدنيا بيرون شد زمين الله ناليدكه « بقيت لا يمشى على نبى الى يوم القايمة » رب العالمين كفت من از اين امت مردانى را بديدارم دلها انبيا باشد . آنكه خضر برخاست تارود من نيز برخاستم تاباوى باشم كفت توبا من نتوانى بود من هر روز نمازا بامداد بمكة كزارم در مسجد حرام وهمجنان نشينم نزديك ركن شامى در حجرتا آفتاب برآيد آنكه طواف كنم ودر ركعت خلف المقام بكزارم ونماز ييشين بمدينة مصطفى عليه السلام كزارم ونماز شام بطور سينا ونماز خفتن برسد ذو القرنين وهمة شب آنجا باس دارم جون وقت صب باشد نماز بامداد بامكه برم در مسجد حرام ] (12/61)
وإن لوطا لمن المرسلين (133)
{ وان لوطا } هو لوط بن هاران اخى ابراهيم الخليل عليه السلام { لمن المرسلين } الى قومه وهم اهل سدوم بالدال المهملة فكذبوه وارادوا اهلاكه فقال رب نجنى واهلى مما يعملون فنجاه الله واهله (12/62)
إذ نجيناه وأهله أجمعين (134)
{ اذ نجيناه } اى اذكر وقت تنجيتنا اياه ولا يتعلق بما قبله لانه لم يرسل اذ نجى { واهله اجمعين } [ وهمه اهل بيت اورا ازدختران وغير ايشان ] (12/63)
إلا عجوزا في الغابرين (135)
{ الا عجوزا } هى امرأة الخائنة واهلة كانت كافرة وكان نكاح الوثنيات والاقامة عليهن جائزا فى شريعته وسميت المرأة المسنة عجوزا لعجزها عن كثير من الامور يكن صفتها وقت تنجيتهم فلم يكن بد من تقدير مقدر أى الباقين فى العذاب والهلاك وقيل للباقى غابر تصورا بتخلف الغبار عن الذى يعدو فيخلفه او الماضين الهالكين وقيل غابر تصور المضى الغبار عن الارض . والمعنى بالفارسية [ مكر ييرده زنى كه اوبودجه او اقرار كرفت در بازار ماندكاه يعذاب وبالوط همراهى نكرد : قال الشيخ سعدى (12/64)
بابدان يار كشت همسر لوط ... خاندان نبوتش كم شد
سك اصحاب كهف روزى جند ... بى نيكان كرفت ومردم شد
ثم دمرنا الآخرين (136)
{ ثم دمرنا } التدمير ادخال الهلاك على الشئ اى اهلكنا { الآخرين } بالائتفاك بهم وامطار الحجارة عليهم فانه تعالى لم يرض بالائتفاك حتى اتبعه مطرا من حجارة : وبالفارسية [ بس هلاك كردم ديكر انرا ار قوم وى ديار ايشان وقتى زير وزبر ساختيم ] فان فى ذلك شواهد على جلية امره وكونه من جملة المرسلين وتقدم ذكر قصته فى سورة هود والحجر فارجع (12/65)
وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137)
{ وانكم } يا اهل مكة { لتمرون عليهم } اى على ديار قوم لوط المهلكين ومنازلهم فى متاجركم الى الشام وتشاهدون آثار هلاكهم فان سدوم فى طريق الشام وهو وقوله تعالى { وانها لبسبيل مقيم } { مصبحين } حال من فاعل تمرون اى حال كونكم داخلين فى الصباح (12/66)
وبالليل أفلا تعقلون (138)
{ وبالليل } اى وملتبسين بالليل اى مساء ولعلها وقعت بقرب منزل يمر به المرتحل عنه صباحا والقاصد له سماء ويجوز ان يكون المعنى نهارا وليلا على ان يعمم المرور للاوقات كلها من الليل والنهار ولا يخصص بوقتى الصباح والمساء { أفلا تعقلون } اى أفتشاهدون ذلك فلا تعقلون حتى تعتبروا به وتخافوا ان يصيبكم مثل ما اصابهم فان من قدر على اهلاك اهل سدوم واستئصالهم بسبب كفرهم وتكذيبهم كان قادرا على اهلاك كفار مكة واستئصالهم لاتحاد السبب ورجحانه لانهم اكفر من هؤلاء واكذب كما يشهد به قوله { أكفاركم خير من اولئكم } وكان النبى عليه السلام يقول لابى جهل « ان هذا اعتى على الله من فرعون » فعلى العاقل ان يعتبر ويؤمن بوحدانية الحق ويرجع الى ابواب فضله وكرمه ورحمته ويؤدب عجوز نفسه الامارة ويحملها على التسليم والامتثال كى لا تهلك مع اهل القهر والجلال (12/67)
قال بعض الكبار لابد من نصرة لكل داخل طريق اهل الله عز وجل ثم اذا حصلت فاما ان يعقبها رجوع الى الحال الاول من العبادة والاجتهاد وهم اهل العناية الآلهية اما ان لا يعقبها رجوع الى الحال الاول من العبادة والاجتهاد وهم اهل العناية الآلهية واما ان لا يعقبها رجوع فلا يفلح بعد ذلك ابدا انتهى
اى فيكون كالمصر على ذنبه ابتداء
ثم ان الله تعالى ركب العقل فى الوجود الانسانى ومن شأنه ان يرى ويختار ابدا الاصلح والافضل فى العواقب وان كان على النفس فى المبدأ مؤونة ومشقة واما الهوى فهو على ضد ذلك فانه يؤثر ما يدفع به المؤذى فى الوقت وان كان يعقبه مضرة من غير نظر منه فى العواقب كالصبى الرمد الذى يؤثرا اكل الحلاوات واللعب فى الشمس على اكل الاهليلج والحجامة ولهذا قال النبى عليه السلام « حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات »
تو بركرة در كمر ... نكر تانييجد زحكم توسر
اكر بالهنك از كفت در كسيخت ... تن خويشتن كشت وخونت بريخت
ففيه اشارة الى فكر العواقب
وجاء فى الامثال [ وقتى زنبورى مورى را ديدكه بهزار حيله دانه بخانه مكشيد ودران رنج بسيارى ديد اورا كفت اى مور اين جه رنجست كه برخود نهادة واين جه بارست كه اختيار كردة بيا مطعم ومشرب من ببين كه هر طعام كه لطيف ولذيذ ترست تا ازمن زياده نيايد بيادشاهان نرسد هر آنجا كه خواهم كزينم وخورم درين سخن بودكه بربريد وبدكان قصابى برمسلوخى نشست قصاب كارد كه دردست داشت بران زنبور مغرور زد ودوباره كرد وبرزمين انداخت ومور بيامد وباى كشان اورامى برد وكفت « رب شهوة ساعة اورثت صاحبها حزنا طويلا » زنبور كفت مرا بجايى مبركه نخواهم مور كفت هركه از روى حرص وشهوت جايى نشيندكه خواهد بجايى كشندش كه نخواهد ] نسأل الله ان يوفقنا لاصلاح الطبيعة والنفس ويجعل يومنا خيرا من الامس فى التوجه الى جنابه والرجوع الى بابه انه هادى القلوب الراجعة فى الاوقات الجامعة ومنه المدد كل يوم لكل قوم
وإن يونس لمن المرسلين (139)
{ وان يونس } ابن متى بالتشديد وهم اسم ابيه او امه (12/68)
وفى كشف الاسرار اسم ابيه متى واسم امه تنجيس كان يونس من اولاد هود كما فى انوار المشارق وهو ذو النون وصاحب الحوت لانه التقمه . وامان ذو النون المصرى من اولياء هذه الامة فقيل انما سمى به لانه ركب سفينة مع جماعة فقد واحد منهم ياقوتا فلم يجده فآل رأيهم الى ان هذا الرجل الغريب قد سرقه فعوتب عليه فانكر الشيخ فحلف فلم يصدقوه بل اصروا على انه ليس الا فيه فلما اضطر توجه ساعة فاتى جميع الحوت من البحر فى فيها يواقيت فلما رأوا ذلك اعتذروا عن فعلتهم فقام وذهب الى البحر ولم يغرق باذن الله تعالى فسمى ذا النون { لمن المرسلين } الى بقية ثمود وهم اهل نينوى بكسر النون الاولى وفتح الثانية وقيل بضمها قرية على شاطئ دجلة فى ارض الموصل
وفى كلام الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر قد اجتمعت بجماعة من قوم يونس سنة خمس وثمانين وخمسمائة بالاندلس حيث كنت فيه وقست اثر رجل واحد منهم فى الارض فرأيت طول قدمه ثلاثة اشبار وثلثى شبر انتهى
ولما بعث اليهم دعاهم الى التوحيد اربعين سنة وكانوا يعبدون الاصنام فكذبوه واصروا على ذلك فخرج من اظهرهم واوعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث او بعد اربعين ليلة ثم ان قومه لما اتاهم امارات العذاب بان اطبقت السماء غيما اسود يدخن دخانا شديدا ثم يهبط حتى يغشى مدنيتهم حتى صار بينهم وبين العذاب قدر ميل اخلصوا الله تعالى بالدعاء والتضرع بان فرقوا بين الامهات والاطفال وبين الاتن والجحوش وبين البقر والعجول وبين الابل والفصلان وبين الضأن والحملان وبين الخيل والافلاء ولبسوا المسوح ثم خرجوا الى الصحراء متضرعين ومستغفرين حتى ارتفع الضجيج الى السماء فصرف الله عنهم العذاب وقبل توبتهم ويونس ينتظر هلاكهم فلما امسى سأل محتطبا مر بقومه كيف كان حالهم فقال هم سالمون وبخير وعافية وحدثه بما صنعوا فقال لا ارجع الى قوم قد كذبتهم وخرج من ديارهم مستنكفا خجلا منهم ولم ينتظر الوحى وتوجه الى جانب البحر
إذ أبق إلى الفلك المشحون (140)
وذلك قوله تعالى { اذ ابق } اى اذكر وقت اباقه اى هربه واصله الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه بغير اذن ربه حسن اطلاقه عليه بطريق المجاز تصويرا لقبحه فانه عبد الله فكيف يفر بغير الاذن والى اين يفر والله محيط به وقد صح انه لا يقبل فرض الآبق ولا نفله حتى يرجع فاذا كان الادنى مأخوذا بزلة فكيف الاعلى { الى الفلك المشحون } اى المملوء من الناس والدواب والمتاع ويقال المجهز الذى فرغ من جهازه يقال شحن السفينة ملأها كما فى القاموس روى ان يونس لما دخل السفينة وتوسطت البحر احتسبت عن الجرى ووقفت فقال الملاحون هنا عبد آبق من سبده وهذا رسم السفينة ما نراه من غير ريح ولا سبب ظاهر وقال التجار قد جربنا مثل هذا فاذا رأينا نقترع فمن خرج سهمه نرميه فى البحر لان غرق الواحد خير من غرق الكل فاقترعوا ثلاث مرات فخرجت القرعة على يونس فى كل مرة (12/69)
فساهم فكان من المدحضين (141)
{ فساهم } المساهمة المقارعة : يعنى [ باكسى قرعه زدن ] والسهم ما يرمى به من القداح ونحوه . والمعنى فقارع اهل الفلك من الآبق والقوا السهام على وجه القرعة . والمفهوم من تفسير الكاشفى ان الضمير الى يونس : [ يونس قرعه زد باهل كشتى سه نوبت ] { فكان من المدحضين } فصار من المغلوبين بالقرعة واصله المزلق عن مقام الظفر والغلبة (12/70)
قال فى القاموس دحضت رجله زلقت والشمس زالت والحجة دحوضا بطلت انتهى . فالادحاض بالفارسية [ باطل كردن حجت ] وحين خرجت القرعة على يونس قال انا العبد الآبق او يا هؤلاء انا والله العاصى فتلفف فى كسائه ثم قام على رأس السفينة فرمى بنفسه فى البحر : يعنى [ يونس كليم درسر خود كشيده خود رادر بحر افكند ]
فالتقمه الحوت وهو مليم (142)
{ فالتقمه الحوت } الالتقام الابتلاع : يعنى [ لقمه كردن وفرو بردن ] يقال لقمت اللقمة والتقمتها اذا ابتلعتها اى فابتلعه السمك العظيم (12/71)
قال الكاشفى [ حق تعالى وحى فرستاد بما هى كه در آخرين ديارها باشد تاييش كشتى آمده دهن بازكرده ]
وقال فى كشف الاسرار فصادفه حوت جاء من قبل اليمن فابتلعه فسفل به الى قرار الارضين حتى سمع تسبيح الحصى { وهو مليم } حال من مفعول التقمه اى داخل فى الملامة ومعنى دخوله فى الملامة كونه يلام سواء لاموه ام لا يقال الام الرجل اذا اتى او آتى بما يلام عليه فيكون المليم بمعنى من يستحق اللوم سواء لاموه ام لا يقال الام الرجل اذا اتى بما يلام عليه او يلوم نفسه : يعنى [ واو ملامت كننده بود نفس خودرا كه جرا ازقوم كر يختى ] فالهمزة على هذا للتعدية لا على التقديرين الاولين روى ان الله تعالى اوحى الى السكمة انى لم اجعله لك رزقا ولكن جعلت بطنك له وعاء فلا تكسرى منه عظما ولا تقطعى منه وصلا فمكث فى بطن الحوت اربعين ليلة كما دل عليه كونه منبوذا على الساحل وهو سقيم
قال الكاشفى [ سه روز ياهفت روز اشهر آنست كه جهل روز درشكم ما هى بود وآن ما هى هفت دريارا بكشت وحق سبحانه وتعالى كوشت وبوست او را نازك وصافى ساخته بود جون آبكينه تايونس عجائب وغرائب بحر را مشاهده كرد وييوسته بذكر حق سبحانه وتعالى اشتغال داشت ]
فلولا أنه كان من المسبحين (143)
{ فلولا انه } [ بس اكرنه آنست كه يونس ] { كان من المسبحين } فى بطن الحوت وهو قوله { لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين } او من الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح مدة عمره (12/72)
وعن سهل من القائمين بحقوق الله قبل البلاء ذكرا او صلاة او غيرهما
للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144)
{ للبث } لمكث حيا او ميتا { فى بطنه } اى فى بطن الحوت { الى يوم يبعثون } يعنى [ تا آن روز كه خلق را برانكيزند از قبور ] (12/73)
قال فى كشف الاسرار فيه ثلاثة اوجه . احدها يبقى هو والحوت الى يوم البعث . والثانى يموت الحوت ويبقى هو فى بطنه . والثالث يموتان ثم يحشر يونس من بطنه فيكون بطن الحوت قبرا له الى يوم القيامة فلم يلبث لكونه من المسبحين
وفيه حث على اكثار الذكر وتعظيم لشأنه واشارة الى ان خلاص يونس القلب اذا التقمه حوت النفس لا يكون الا بملازمة ذكر الله ومن اقبل عليه فى السراء اخذ بيده عند الضراء والعمل الصالح يرع صاحبه اذا عثر واذا صرع يجد متكئا
وفى الوسيط كان يونس عبدا صالحا ذاكر الله فلما وقع فى بطن الحوت قال الله { فلولا انه كان من المسبحين } الآية وان فرعون كان عبدا طاغيا ناسيا ذكر الله { فلما ادركه الغرق قال آمنت بالذى آمنت به بنو اسرائيل } قال الله تعالى { آلآن وقد عصيت قبل } وعن الشافعى انفس ما يداوى به الطاعون التسبيح لان الذكر يرفع العقوبة والعذاب كما قال الله تعالى { فلولا انه كان من المسبحين } وعن كعب قال سبحان الله يمنع العذاب
وعن عمر رضى الله عنه انه امر بجلد رجل فقال فى اول جلده سبحان الله فعفا عنه
ذكر حق شافع بود دركاه را ... راضى وخشنود كند الله را
قال فى كشف الاسرار [ خداوند كريم جون يونس را درشكم ما هى بزندان كرد نام الله جراغ ظلمت او بود يا الله انس ورحمت او بود هرجندكه ازروى ظاهر ما هى بلاى يونس بود اما ازروى باطن خلوتكاه ساختند خليل را درمبان آتش نمرود خلوتكاه ساختند وصديق اكبررا بامهتر عالم دران كوشة غار خلوتكاه ساختند همجنين هركجا مؤمنين وموحدين است اورا خلوتكاهى است وآن سينة عزيز وى است وغار سروة نزول كاه لطف الهى وموضع نظر ربانى ] روى ابو هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال « سبح يونس فى بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا نسمع صوتا ضعيفا بارض غربية فقال تعالى ذلك عبدى يونس هصتمة فحبسته فى بطن الحموت فى البحر قالوا العبد الصالح الذى كان يصعد اليك منه فى يوم وليلة عمل صالح قال نعم فشفعوا له فامر الحوت فقذفه بالسالح فى ارض نصيبين » وهى بلدة قاعدة ديار ربيعة
فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145)
{ فنبذناه بالعراء } النبذ القاء الشئ الخالى عن البناء والاشجار المظلة لتعريه عما يستر اهله ومعارى الانسان الاعضاء التى من شأنها ان تعرى كاليد والوجه والرجل . والاسناد المعبر فى قوله فنبذناه من قبيل اسناد الفعل الى السبب الحامل على الفعل فالمعنى فحملنا الحوت على لفظه ورميه بالمكان الخالى عما يغطيه من شجرا ونبت { وهو سقيم } اى عليل البدن من اجل ما ناله فى بطن الحوت من ضعف بدنه فصار كبدن الطفل ساعة يولد لا قوة له او بلى لحمه ونتف شعره حتى صار كالفرخ ليس عليه شعر وريش ورق عظمه وضعف بحيث لا يطيق حر الشمس وهبوب الرياح (12/74)
وفيه اشارة الى ان القلب وان تخلص من سجن النفس وبحر الدنيا يكون سقيما بانحراف مزاجه القلبى بمجاورة صحبة النفس واستراق طبعها
وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146)
{ وانبتنا عليه } اى فوقه مظللة عليه { شجرة من يقطين } يفعيل مشتق من قطن بالمكان اذا اقام به كاشتقاق الينبوع من نبع فهو موضوع لمفهوم كلى متناول للقرع والبطيخ والقثاء والقثد والحنظل ونحوها مما كان ورقه كله منبسطا على وجه الارض ولم يقم على ساق واحدته يقطينة (12/75)
وفى القاموس اليقطين مالا ساق له من النبات ونحوه وبهاء القرعة الرطبة انتهى
اطلق هنا على الفرع استعمالا للعام فى بعض جزئياته
قال ابن الشيخ ولعل اطلاق اسم الشجر على القرع مع ان الشجر فى كلامهم اسم لكل نبات يقوم على ساقه ولا ينبسط على وجه الارض مبنى على انه تعالى انبت عليه شجرة صارت عريشا لما نبت تحتها من القرع بحيث استولى القرع على جميع اغضانها حتى صارت كأنها شجرة من يقطين وكان هذا الانبات كالمعجزة ليونس فاستظل بظلها وغطته باوراقها عن الذباب فانه لا يقع عليها كما يقع على سائر العشب وكان يونس حين لفظه البحر متغيرا يؤلمه الذباب فسترته الشجرة بورقها . قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم انك تحب القرع قال « اجل هى شجرة اخى يونس » وعن ابى يوسف لو قال رجل ان رسول الله كان يحب القرع مثلا يقال الآخر انا لا احبه فهذا كفر يعنى اذا قاله على وجه الاهانة والاستخفاف والا فلا يكفر على ما قاله بعض المتأخرين
وروى انه تعالى قيض له اروية وهى الانثى من الوعل تروح عليه بكرة وغشية فيشرب من لبنها حتى اشتد لحمه ونبت شعره وعادت قوته
وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون (147)
{ وارسلناه الى مائة الف } هم قومع الذين هرب منهم والمراد ارساله السابق وهو ارساله اليهم قبل ان خرج من بينهم والتقمه الحوت . اخبر او لا بانه من المرسلين على الاطلاق ثم اخبر بانه قد ارسل الى مائة الف جمة وكان توسيط تذكير وقت هربه الى الفلك وما بعده بينهما لتذكير سببه وهو ما جرى بينه وبين قومه من انذاره اياهم عذاب الله وتعيينه لوقت حلوله وتعللهم وتعليقهم لايمانهم بظهور اماراته ليعلم ان ايمانهم الذى سيحكى بعد لم يكن عقيب الارسال كما هو المتبادر من ترتب الايمان عليه بالفاء بل بعد اللتيا والتى { او يزيدون } اى فى مرأى الناظر فانه اذا نظر اليهم قال انهم مائة الف او يزيدون عليها عشرين الفا او ثلاثين او سبعين فاو التى للشك بالنسبة الى المخاطبين اذ الشك على الله محال والغرض وصفهم بالكثرة وهذا هو الجواب عن كل ما يشبه هذا كقوله { عذرا او نذرا . لعله يذكر او يخشى . لعلهم يتقون او يحدث لهم ذكرى } وغير ذلك (12/76)
فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148)
{ فآمنوا } اى بعد ما شاهدوا علائم حلول العذاب ايمانا خاصا { فمتعناهم } اى بالحياة الدنيا وابقيناهم { الى حين } قدره الله سبحانه لهم وهذا كناية عن رد العذاب عنهم وصرف العقوبة روى ان يونس عليه السلام نام يوما تحت الشجرة فاستيقظ وقد يبست فخرج من ذلك العراء ومر بجانب مدينة نبنوى فرأى هنالك غلاما يرعى الغنم فقال له من انت يا غلام فقال من قوم يونس قال فاذا رجعت اليهم فاقرأ عليهم منى السلام واخبرهم انك قد لقيت يونس ورأيته فقال الغلام ان تكن يونس فقد تعلم ان من يحدث ولم يكن له بينة قتلوه وكان فى شرعهم ان من كذب قتل فمن يشهد لى فقال له يونس تشهد لك هذه الشجرة وهذه البقعة فقال الغلام ليونس مرهما بذلك فقال لهما اذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له قالتا نعم فرجع الغلام الى قومه فاتى الملك فقال انى لقيت يونس وهو يقرأ عليكم السلام فامر الملك ان يقتل فقال ان لى بينة فارسل معه جماعة فانتهوا الى الشجرة والبقعة فقال لهما الغلام انشد كما الله عز وجل اى اسألكما بالله تعالى هل اشهد كما يونس قالتا نعم فرجع القوم مذعورين فاتوا الملك فحدثوه بما رأوا فتناول الملك يد الغلام فاجلسه فى منزله وقال له انت احق منى بهذا المقام والملك فاقام بهم الغلام اربعين سنة روى فى بعض التفاسير ان قومه آمنوا فسألوه ان يرجع اليهم فابى يونس لان النبى اذا هاجر لم يرجع اليهم مقيما فيهم وروى انه لما استيقظ فوجد انه قد يبست الشجرة فاصابته الشمس حزن لذلك حزنا شديدا فجعل يبكى فبعث الله اليه جبرائيل وقال قل له أتحزن على شجرة لم تخلقها انت ولم تنبتها ولم تربها وانا الذى خلقت مائة الف من الناس او يزيدون تريد منى ان استأصلهم فى ساعة واحدة وقد تابوا وتبت عليهم فاين رحمتى يا يونس وانا ارحم الراحمين وما احسن ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للعبد فيما يوصله الى ما خلق له وتفضيلا لهذا الموصل على هدم النشأة الانسانية وان كان ذلك الهدم واقعا بموجب الامر وكان للهادم رتبة اعلاء كلمة الله وثواب الشهادة « ألا انبئكم بما هو خير لكم وافضل من ان تلقوه عهدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم ذكر الله » اى ما هو خير لكم ما ذكر الله تعالى فابقاه هذه النشأة افضلمن هدمها وان كان بالامر (12/77)
وفى كشف الاسرار [ در قصه آورده اندكه جون يونس عليه السلام ازان ظلمت نجات يافت وازان نحنت برست وباميان قوم خودشد وحى آمد بوى كه فلان مرد فخارى را كوى تا آ ، خنورهاى ويرانها كه باين يكسال ساخته فخار بخشايشى كرد وكفت بار خدايا مرا رحمت مى آيد بارن مرد كه يكساله عمل وى تباه خواهى كرد ونيست ميشود وبرصد هزار مرد از بندكان من بخشايش ننمودى وهلاك وعذاب ايشان خواستى « يا يونس لم تخلقهم ولو خلقتهم لرحمتهم » بشر حافى را رحمه الله بخواب ديدند كفتند حق تعالى باتونجه كرد كفت بامن عتاب كرد كفت اى بشر آن همه خوف ووجل در دنيا ترا از بهر جه بود « اما علمت ان الرحمة والكرم صفتى » فردا مصطفى عربى را عليه السلام دركنهكاران امت شفاعت دهد تا آنكه كه كويد خداوند مرا درحق كسانى شفاعت ده كه هرنيكى نكرده اند فيقول الله عز وجل يا محمد اين يكى مراست حق من وسزاى منست آنكه خطاب آيدكه « اخرجوا من النار من ذكرنى مرة فى مقام او خاف منى فى وقت » اين آن رحمتست كه سؤال دروى كم كشت اين آن لطف است كه انديشه دروى نيست كشت اين آن كرم است كه وهم درو متحير كشت اين آن فضلست كه حد آن ازغايت اندازه د ركذشت .
اى بنده اكر طاعت كنى قبول بر من . ورسؤال كنى عطا بر من . وركناه كنى عفو بر من . آب در جوى من . راحت دركوى من . طرب در طلب من . انس باجمال من . سرور ببقاى من . شادى بلقاى من ] (12/78)
قال الكاشفى { فمتعناهم الى حين } [ بس برخور دارى داديم ايشانرا تاهنكام اجل ايشان وبعد ازانكه متقاضى اجل باسترداد وديعت روح متوجه كردد نه بمدافعت ابطال منع او ميسر است ونه ببذل اموال دفع او متصور ]
روزى كه اجل دست كشايد بستيز ... وزبهر هلاك بركشد خنجرتيز
نه وقت جدل بود نه هنكام دخيل ... نه روى مقاومت نه يا راى كريز
وصارت قصة يونس آخر القصص لما فيها من ذكر عدم الصبر على الاذى والاباق كما انهم اخروا ذكر الحلاج فى المناقب لما صدر منه من الدعوى على الاطلاق ولعل عدم ختم هذه القصة وقصة لوط بما ختم به سائر القصص من ذكر السلام وما يتبعه للتفرقة بينهما وبين ارباب الشرائع الكبار واولى العزم من الرسل او اكتفاء بالتسليم الشامل لكل الرسل المذكورين فى آخر السورة قاله البيضاوى والشيخ رشيد الدين فى كشف الاسرار واورده المولى ابو السعود فى تفسير بصيغة التمريض
يقول الفقير وجهه ان الياس ويونس سواء فى ان كلا منهما ليس من ارباب الشرائع الكبار واولى العزم من الرسل فلا بد لتخصيص احدهما بالسلام من وجه وان التسليم المذكور فى آخر السورة شامل لكل من ذكر هنا ومن لم يذكر فحينئذ كان الظاهر ان يقتصر على ذكر سلام نوح ونحوه ثم يعمم عليهم وعلى غيرهم ممن لم يكن فى درجتهم
فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149)
{ فاستفتهم } [ بس برس از ايشان ] اى اذا كان الله موصوفا بنعوت الكمال والعظمة والجلال متفردا بالخلق والربوبية وجميع الانبياء مقرين بالعبودية داعين للعبيد الى حقيقة التزنه والتوحيد فاستخبر على سبيل التوبيخ والتجهيل قريشا وبعض طوائف العرب نحو جهينة وبنى سلمة وخزاعة وبنى مليح فانهم كانوا يقولون ان الله تعالى تزوج من الجن فخرجت منها الملائكة فهم بنات الله ولذا يسترهن عن العيون فاثبتوا الاولاد لله تعالى ثم زعموا انها من جنس الاناث لا من جنس الذكور وقسموا القسمة الباطلة حيث جعلوا الاناث لله تعالى وجعلوا الذكور لانفسهم فانهم كانوا يفتخرون بذكور الاولاد ويستنكفون من البنات ولذا كانوا يقتلونهن ويدفنونهن حياء قال تعالى { واذا بشر احدكم بالانثى ظل وجه مسودا وهو كظيم } الآية ومن هنا انه من رأى فى المنام انه اسود وجهه فنه يولد له بنت والذى يستنكف منه المخلوق كيف يمكن اثباته للخالق كما قال تعالى { ألربك البنات } اللاتى هن اوضع الجنسين { ولهم البنون } الذين هم ارفعهما (12/79)
وفيه تفضيل لانفسهم على ربهم وذلك مما لا يقول به من له ادنى شئ من العقل وهذا كقوله { ألكم الذكر وله الانثى تلك الذا قسمة ضيزى } اى قسمة جائرة غير عادلة
وفيه اشارة الى كمال جهالة الانسان وضلالته اذا وكل الى نفسه الخسيسة وخلى الى طبيعته الركيكة انه يظن بربه ورب العالمين نقائص لا يستحقها ادنى عاقل بل غافل من اهل الدنيا
برى ذاتش او تهمت ضد وجنس ... غنى ذاتش از تهمت جن وانس
نه مستغنى از طاعتش بشت كست ... نه برحرف او جاى انكشت كس
ثم انتقل الى تبكيت آخر
أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون (150)
{ ام خلقنا الملائكة اناثا } الاناث ككتاب جمع الانثى اى بل ام خلقنا الملائكة الذين هم من اشرف الخلائق وابعدهم من صفات الاجسام ورذائل الطبائع اناثا والانوثة من اخس صفات الحيوان ولو قيل لادناهم فيك انوثة لتمزقت نفسه من الغيظ لقائله ففى جعلهم الملائكة اناثا استهانة شدية بهم { وهم شاهدون } حال من فاعل خلقنا مفيد للاستهزاء والتجهيل اى والحال انهم حاضرون حينئذ فيقدمون على ما يقولون فان امثال هذه الامور لا تعلم الا بالمشاهدة اذ لا سبيل الى معرفتها بطريق العقل الصرف بالضرورة او بالاستدلال اذ الانوثة ليست من لوازم ذاتهم بل من اللوازم الخارجية وانتفاء النقل مما لا ريب فيه لا بد ان يكون القائل بانوثتهم شاهدا اى حاضرا عند خلقهم اذ اسباب العلم هذه الثلاثة فكيف جعلوهم اناثا ولم يشهدوا خلقهم ثم استأنف (12/80)
ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكاذبون (152)
{ ألا } حف تنبيه : يعنى [ بدانكه ] { انهم من افكهم } اى من اجل كذبهم الاسوء وهو متعلق بقوله { ليقولون ولد الله } [ بزاد خداى تعالى يعنى براى او بزادند آن ] يعنى مبنى مذهبهم الفاسد لسي الا الافك الصريح والافتراء القبيح من غير ان يكون لهم دليل او شبهة قطعا . والولد يعم الذكور والاناث والقليل والكثير وفيه تجسيم له تعالى وتجويز الفناء عليه لان الولادة مختصة بالاجسام القابلة للكون والفسادن { وانهم لكاذبون } فى قولهم ذلك كذبا بينا لا ريب فيه (12/81)
أصطفى البنات على البنين (153)
{ أصطفى البنات على البنين } بفتح الهمزة على انها همزة استفهام للانكار والاستبعاد دخلت على الف الافتعال اصله أصطفى فحذفت همزة الافتعال التى هى همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام . والاصطفاء اخذ صفوة الشئ لنفسه اى أتقولون انه اختار البنات على البنين مع نقصانهن رضى بالاخص الادنى : وبالفارسية [ آيا بركزيد خداى تعالى دخترانرا كه مكروه طباع شماند به بسران كه مادة افتخار واستظهار شما ايشانند ] (12/82)
ما لكم كيف تحكمون (154)
{ ما لكم } أى شئ لكم فى هذه الدعوى (12/83)
وقال الكاشفى [ جيست شمارا قسمت ] { كيف تحكمون } على الغنى عن العالمين بهذا الحكم الذى تقضى ببطلانه بديهة العقول ارتدعوا عنه فانه جور : وبالفارسية [ جكونه حكم ميكنيد ونسبت ميدهيد بخداى آنرا كه براى خود نمى بسنديد ]
قال ابن الشيخ جملتان استفهاميتان ليس لاحديهما تعلق بالاخرى من حيث الاعراب استفهم او لا عما استقر لهم وثبت استفهام انكار ثم استفهم تعجب من حكمهم هذا الحكم الفاسد وهو ان يكون احسن الجنسين لانفسهم واخسهما لربهم
أفلا تذكرون (155)
{ أفلا تذكرون } بحذف احدى التائبين فانه مركوز فى عقل زكى وغبى ثم انتقل الى تبكيت آخر (12/84)
أم لكم سلطان مبين (156)
{ ام لكم سلطان مبين } اى هل لكم حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بان الملائكة بنات الله ضرورة ان الحكم بذلك لا بد له من سند حسى او عقلى وحيث انتفى كلاهما فلا بد من سند نقلى (12/85)
فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157)
{ فائتوا بكتابكم } الناطق بصحة دعواكم : وبالفارسية [ بس بياريد آن كتاب منزل را ] فالباء للتعدية { ان كنتم صادقين } فيها فاذا لم ينزل عليكم كتاب سماوى فيه ذكر ذلك الحكم فلم تصرون على الكذب ثم التفت الى الغيبة للايذان بانقطاعهم عن الجواب وسقوطهم عن درجة الخطاب واقتضاء حالهم ان يعرض عنهم ويحكى جناياتهم لآخرين (12/86)
وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158)
{ وجعلوا بينه } تعالى { وبين الجنة } الجنة بالكسر جماعة الجن والملائكة كما فى القاموس والمراد هنا الملائكة وسموا جنة لاجتنانهم واستتارهم عن الابصار ومنه سمى الجنين وهو المستور فى بطن الام والجنون لانه خفاء العقل . والجنة بالضم الترس لانه يجن صاحبه ويستره . والجنة بالفتح لانها كل بستان ذى شجر يستر باشجاره الارض فمن له اجتنان عن الاعين جنس يندرج تحته الملائكة والجن المعروف (12/87)
قالوا الجن واحد ولكن من خبث من الجن ومرد وكان شرا كله فهو شيطان ومن طهر منهم ونسك وكان خيرا فهو ملك
قال الراغب الجن يقال على وجهين احدهما للروحانيين المستترة عن الحواس كلها بازاء الانس فعلى هذا يدخل فيه الملائكة والشياطين فكل ملائكة جن وليس كل جن ملائكة
وقيل بل الجن بعض الروحانيين وذلك ان الروحانيين ثلاثة اخيار وهم الملائكة واشرار وهم الشياطين واوساط فهم اخيار واشرار وهم الجن ويدل على ذلك قوله تعالى { قل اوحى الى انه استمع نفر من الجن } الى قوله { ومنا القاسطون } { نسبا } النسب والنسبة اشتراك من جهة الابوين وذلك ضربان نسب بالطول كالاشتراك بين الآباء والابناء ونسب بالعرض كالنسبة بين الاخوة وبنى العم وقيل فلان نسيب فلان اى قريبة . والمعنى وجعل المشركون بما قالوا نسبة بين الله وبين الملائكة واثبتوا بذلك جنسية جامعة له وللملائكة
وفى ذكر الله الملائكة بهذا الاسم فى هذا الموضع اشارة الى ان من صفته الاجتنان وهو من صفات الاجرام لا يصلح ان يناسب من لا يجوز عليه ذلك
وفيه اشارة الى جنة الانسان وقصور نظر عقله عن كمال احدية الله وجلال صمديته اذا وكل الى نفسه فى معرفة ذات الله وصفاته فيقيس ذاته على ذاته وصفاته على صفاته فيثبت له نسبا كما له نسب ويثبت له زوجة وولدا كما له زوجة وولد ويثبت له جوارح كما له جوارح ويثبت له مكانا كما له مكان تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وهو يقول تبارك وتعالى { ليس كمثله شئ وهو السميع البصير }
جهان متفق بر الهيتش ... فرومانده از كنه ما هيتش
بشر ما وراى جلالش نيافت ... بصر منتهاى كمالش نيافت
نه ادراك در كنه ذاتش رسد ... نه فكرت بنور صفاتش رسد
ثم ان هذا وهو قوله تعالى { وجعلوا بينه } الخ عبارة عن قولهم الملائكة بنات الله وانما اعيد ذكره تمهيدا لما يعقبه من قوله { ولقد علمت الجنة } اى وبالله لقد علمت الجنة التى عظموها بان جعلوا بينها وبينه تعالى نسبا وهم الملائكة { انهم } اى الكفرة { لمحضرون } النار معذبون بها لا يغيبون عنها لكذبهم وافرائهم فى ذلك والمراد به المبالغة فى التكذيب ببيان ان الذى يدعى هؤلاء المشركون لهم تلك النسبة ويعلمون انهم اعلم منهم بحقيقة الاحل يكذبونهم فى ذلك ويحكمون بانهم معذبون لاجله حكما مؤكدا
قال فى كشف الاسرار [ نحويان كفتند جون ان از قفاى علم وشهادت آيد مفتوح بايد مكر كه در خبر لام آيد آنكه مكسور باشد ] كقول العرب اشهد ان فلانا عاقل وان فلانا لعاقل وجهه ان ان المكسور لا تغير معنى الجملة واللام الداخلة على الخبر لتأكيد معنى الجملة
ثم ان الله تعالى نزه نفسه عما قالوه من الكذب
سبحان الله عما يصفون (159)
{ سبحان الله } اى تنزه تعالى تنزها لائقا بجنابه { عما يصفون } به من الولد والنسب او نزهوه تنزيها عن ذلك او ما ابعد وما انزه من هؤلاء خلقه وعبيده عما يضاف اليه من ذلك فهو تعجب من كلمتهم الحمقاء وجعلتهم العوجاء (12/88)
إلا عباد الله المخلصين (160)
{ الا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من الواو فى يصفون اى يصفه هؤلاء بذلك ولكن المخلصين الذين اخلصهم الله بلطفه من الواث الشكوك والشبهات ووفقهم للجريان بموجب اللب برءا من ان يصفوه به (12/89)
وجعل ابو السعود قوله سبحان الله عما يصفون بتقدير قول معطوف على علمت الملائكة ان المشركين لمعذبون لقولهم ذلك وقالوا سبحان الله عما يصفون به من الولد والنسب لكن عباد الله المخلصين الذين نحن من جملتهم برءاء من ذلك الوصف بل نصفه بصفات العلى فيكون المستثنى ايضا من كلام الملائكة
فإنكم وما تعبدون (161)
{ فانكم } ايها المشركون عود الى خطابهم لاظهار كمال الاعتناء بتحقيق مضمون الكلام { وما تعبدون } ومعبوديكم وهم الشياطين الذين اغووهم (12/90)
ما أنتم عليه بفاتنين (162)
{ ما انتم } ما نافية وانتم خطاب لهم ولمعبوديهم تغليبا للمخاطب على الغائب { عليه } الضمير لله وعلى متعلقة بقوله { بفاتنين } الفاتن هنا بمعنى المضل والمفسد يقال فتن فلان على فلان امرأته اى افسدها عليه واضلها حاملا اياها على عصيان زوجها فعدى الفاتن بعلى لتضمينه معنى الحمل والبعث . والمعنى ما انتم بفاتنين احدا من عباده اى بمضلين ومفسدين بحمله على المعصية والخلاف فمفعول فاتنين محذوف (12/91)
إلا من هو صال الجحيم (163)
{ الا من هوصال الجحيم } منهم اى داخلها لعلمه تعالى بانه يصر على الكفر بسوء اختياره ويصير من اهل النار لا محالة فيضلون بتقدير الله من قدر الله ان يكون من اهل النار واما المخلصون منهم فانهم بمعزل عن افسادهم واضلالهم فهم لا جرم برءاء من ان يفتنوا بكم ويسلكوا مسلككم فى وصفه تعالى بما وصفتموه به . قوله صال بالكسر اصله صالى على وزن فاعل من الصلى وهو الدخول فى النار يقال صلى فلان النار يصلى صليا من الباب الرابع دخل فيها واحترق فاعل كقاض فلما اضيف الى الجحيم سقط التنوين وافرد حملا على لفظ من (12/92)
واحتج اهل السنة والجماعة بهذه الآية وهى قوله { فانكم } الخ على انه لا تأثير لالقاء الشيطان ووسوسته ولا لاحوال معبودهم فى وقوع الفتنة وانما المؤثر هو قضاء الله وتقديره وحكمه بالشقاوة ولا يلزم منه الجبر وعدم لوم الضال بما كسبا لما اشير اليه من انهم لا يقدرون على اضلال احد الا اضلال من علم الله منه اختيار الكفر والاصرار عليه وعلم الله وتقديره وقضاؤه فعلا من افعال المكلفين لا ينافى اختيار العبد وكسبه
هركه در فعل خود بود مختار ... فعل او دور باشد از اجبار
بهر آن كرد امر ونهى عباد ... تاشود ظاهر انقياد وعناد
زايد از انقياد حب ورضا ... وزخلاف وعناد سوء قضا
بس بود امر ونهى شرط ظهور ... فعلها را ز بندة مأمور
وما منا إلا له مقام معلوم (164)
{ وما منا } حكاية اعتراف الملائكة للرد على عبدتهم كأنه قيل ويقول الملائكة الذين جعلتموهم بنات الله وعبدتموهم بناء على ما زعمتم من ان بينهم وبينه تعالى مناسبة وجنسية جامعة وما منا احد اى ملك على حذف الموصوف واقامة الصفة مقامه فالموصوف المقدر فى الآية مبتدأ وقوله { الا له مقام معلوم } صفة وما مقدم خبره اى احد استثنى منه من له مقام معلوم ليس منا يعنى لكل واحد منا مرتبة فى المعرفة والعبادة والانتهاء الى امر الله فى تدبير العالم مقصور عليها لا يتجاوزها ولا يستطيع ان ينزل عنها قدر ظفر خضوعا لعظمته وخشوعا لهيبته وتواضعا لجلاله كما روى فمنهم راكع لا يقيم صلبه وساجد لا يرفع رأسه (12/93)
ففيه تنبيه على فساد قول المشركين انهم اولاد الله لان مبالغتهم فى اظهار العبودية تدل على اعترافهم بالعبودية فكيف يكون بينه تعالى وبينهم جنسية
قال ابن عباس رضى الله عنهما ما فى السموات موضع شبر الا وعليه ملك يصلى او يسبح بل والعالم مشحون بالارواح فليس فيه موضع بيت ولا زاوية الا وهو معمور بما لا يعلمه الا الله ولذا امر النبى عليه الصلاة والسلام بالتستر فى الخلوة وان لا يجامع الرجل امرأته عريانين
وقال السدى { الا له مقام معلوم } فى القربة والمشاهدة
وقال ابوبكر الوراق قدس سره { الا له مقام معلوم } يعبد الله عليه كالخوف والرجاء والمحبة والرضى : يعنى [ مراد مقامات سنيه است جون خوف ورجا ومحبت ورضا كه هريك از مقربان حظائر ملكوت ومقدسان صوامع جبروت در مقامى ازان ممكن اند ]
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان للملك مقاما معلوما لا يتعدى حده وهو مقام الملك الروحانى او الكروبى فالروحانى لا يعبر عن مقامه الى مقام الكروبى لا يقدم على مقام الروحانى فلا عبور لهم من مقامهم الى مقام فوق مقامهم ولا نزول لهم الى مقام دون مقامهم ولهم بهذا فضيلة على انسان بقى فى اسفل سافلين فى الدرك الاسفل من النار وللذين عبروا منهم عن اسفل سافلين بالايمان والعمل الصالح وصعدوا على اعلى عليين بل ساروا الى مقام قاب قوسين بل طاروا الى منزل او أدنى فضيلة عليهم ولهذا امروا بسجدة اهل الفضل منهم فقعوا له ساجدين فللانسان ان يتنزل من مقام الانسانية الى دركة الحيوانية كقوله تعالى { اولئك كالانعام بل هم اضل } وله ان يترقى بحيث يعبر عن المقام الملكى ويقال له تخلقوا باخلاق الله انتهى
وقال جعفر رضى الله عنه الخلق مع الله على مقامات شتى من تجاوز حده هلك فللانبياء مقام المشاهدة والمرسل مقام العيان وللملائكة مقام الهيبة وللمؤمنين مقام الدنو وللعصاة مقام التوبة وللكفار مقام الغفلة والطرد واللعنة
وقال الحسين قدس سره المرديون يتحولون من مقام الى مقام والمرادون يتجاوزون المقامات الى رب المقامات (12/94)
وقال بعضهم العارف يأكل فى هذه الدار الحلوى والعسل فهذا مقامه والكامل المحقق يأكل فيها الحنظل لا يتلذذ فيها بنعمة لاشتغال بما كلفه الله تعالى من الشكرعليها وغير ذلك من تحمل هموم الناس فكم من فرق بين المقامين واهل الفناء وان تألموا هنا ولكن ذلك ليس بالم بل اشد العذاب والالم فيما اذا رأى اهل الذوق مراتب اهل الفناء فوقهم واقله التألم من تقدمهم
باش تافانى شود احوال تو ... بكزرد از حال كل تا حال تو
از مقامى ساز بقعه خويش را ... كه بماند جمله زير بال تو
وإنا لنحن الصافون (165)
{ وانا لنحن الصافون } فى مواقف الطاعة ومواطن الخدمة : وبالفارسية [ وبدرستى كه ما صف كشيد كانيم در مواقف در طاعات ومواضع خدمت ] (12/95)
قال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر ليس للملائكة نافلة انما هم دائما فى فرائض بعدد انفاسهم فلا نفل لهم بخلاف البشر انتهى
قيل ان المسلمين انما اصطفوا فى الصلاة منذ نزلت هذه الآية وليس يصطف احد من اهل الملل فى صلاتهم غير المسلمين
يقول الفقير الاصطفاف فى الصلاة حصل بفعل النبى صلى الله عليه وسلم فى اول ما صلى من الصلوات وهى صلاة الظهر فانه لما نزل من المعراج وزالت الشمس امر فصيح باصحابه الصلاة جامعة فاجتمعوا فصلى به عليه السلام جبريل وصلى النبى عليه السلام بالناس الا ان يتفق نزول الآية فى ذلك الوقت ولكن كلام القائل يقتضى كونهم مقيمين للصلاة فرادى قبل نزولها كما قال قتادة كان الرجال والنساء يصلون معا حتى نزلت { وما منا الا له مقام معلوم } فتقدم الرجل وتأخر النساء فكانوا يصلون منفردين حتى نزلت { وانا لنحن الصافون }
وإنا لنحن المسبحون (166)
{ وانا لنحن المسبحون } المقدسون لله تعالى عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه وتحلية كلامهم بفنون التأكيد لابراز صدوره عنهم بكمال الرغبة والنشاط (12/96)
قال البيضاوى ولعل الاول اشارة الى درجاتهم فى الطاعات وهذا فى المعارف انتهى
قال بعض الكبار للملائكة الترقى فى العلم لافى العمل فلا يترقون بالاعمال كما لا نترقى باعمال الآخرة اذا انتقلنا اليها واما الانسان فله الترقى فى العلم والعمل ولو ان الملائكة ما كان لها الترقى فى العلم ما قبلت الزيادة حين علمه الاسماء كلها فانه زادهم علما بالاسماء لم يكن عندهم
قال البقلى رحمه الله لما كانوا من اهل المقامات افتخروا بمقاماتهم فى العبودية من الصلاة والتسبيح ولو كانوا من اهل الحقائق فى المعرفة لفنوا عن ملاحظة طاعاتهم من استيلاء انوار مشاهدة الحق
وفى التأويلات النجمية ولو كان من مفاخر الملك ان يقولوا وانا لنحن الصافون يعنى فى الصلاة والعبودية فان للانسان معه شركة فى هذا وللانسان صف يحبه الله وليس للملك فيه شركة وذلك قوله { ان الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بينان مرصوص } وان يقولوا { وانا لنحن المسبحون } ايضا للانسان معهم شركة ومن مفاخر الانسان ان يقولوا انا لنحن المحبون وانا لنحن المحبوبون وهم المخصوصون به فى الترقى من مقام المحبية الى مقام المحبوبية انتهى
وهذا بالنسبة الى اكاملهم وافاضلهم
لفظ انسان يكى ولى هركس ... زده ازوى بقدر خويش نفس
جنبش هركسى زجاى ويست ... روى هركس بفكر ورأى ويست
تابر اهل طلب خداى مجيد ... متجلى نشد باسم مريد
يا رادت كسى نشد موصوف ... بمحبت كسى نشد معروف
وإن كانوا ليقولون (167)
{ وان كانوا ليقولون } ان هى المخففة من الثقيلة وضمير الشان محذوف واللام هى الفارقة بينها وبين النافية وفى الاتيان بان المخففة واللام اشارة الى انهم كانوا يقولون ما قالوه مؤكدين جادين فيه فكم بين اول امرهم وآخره . والمعنى وان الشان كان قريش تقول قبل المبعث (12/97)
لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168)
{ لو ان عندنا ذكرا من الاولين } اى كتابا من كتب الاولين من التوراة والانجيل : وبالفارسية [ اكر بودى نزديك ما كتابى كه سبب بند ونصيحت بودى ] (12/98)
لكنا عباد الله المخلصين (169)
{ لكنا عباد الله المخلصين } اى لاخلصنا العبادة لله ولما خالفنا كما خالفوا (12/99)
فكفروا به فسوف يعلمون (170)
{ فكفروا به } الفاء فصيحة اى فجاءهم ذكر أى ذكر سيد الاذكار وكتاب مهيمن على سائر الكتب والاسفار وهو القرآن فكفروا به وانكروه وقالوا فى حقه وفى حق من انزل عليه ما قالوا { فسوف يعلمون } اى عاقبة كفرهم وغائلته من المغلوبية فى الدنيا والعذاب العظيم فى العقبى وهو وعيد لهم وتهديد (12/100)
وفيه اشارة الى تنزل الانسان الى الدرك الاسفل والى ان مآل الدعوى بلا تطبيق للصورة بالمعنى خزى وقهر لا يصلون مع الفرائض الا ما لا بد منه من مؤكدات النوافل خوفا ان يقوم بهم دعوى انهم اتوا بالفرائض على وجه الكمال الممكن وزادوا على ذلك فانه لا نفل الا عن كمال فرض ونعم ما فهموا ولكن ثم ما هو اعلى وهو ان يكثروا من النوافل توطئة لمحبة الله لهم عن كمال فرض ونعم ما فهموا ولكن ثم ما هو اعلى وهو ان يكثروا من النوافل توطئة لمحبة الله لهم ثم يرون ذلك جبرا لبعض ما فى فرائضهم من النقص وفى الحديث « حسنوا نوافلكم فبها تكمل فرائضكم » وفى المرفوع « النافلة هدية المؤمن الى ربه فليحسن احدكم هديته وليطيبها » ولكون الهدية سببا للمحبة قال عليه السلام « تهادوا تحابوا »
واعلم ان القرآن ذكر جليل انزل تذكيرا للناس وطردا للوسواس الخناس فانه كلما ذكر الانسان خنس الشيطان اى تأخر والقرآن وان كان كله ذكرا لكن ما كل آى القرآن يتضمن ذكر الله فان فيه حكاية الاحكام المشروعة وفيه قصص الفراعنة وحكايات اقوالهم وكفرهم وان كان فى ذلك الاجر العظيم من حيث هو قرآن بالاصغاء الى القارئ اذا قرأه من نفسه وغيره فذكر الله اذا سمع فى القرآن اتم من استماع قول الكافرين فى الله ما لا ينبغى فالاول من قبيل استماع القول الاحسن والثانى من استماع قول الحسن والثانى من استماع القول الحسن فاعرف ذلك . ويستحب لقارئ القرآن فى المصحف ان يجهر بقراءته ويضع يده على الآية يتتبعها فيأخذ اللسان حظه من الرفع ويأخذ البصر حظه من النظر واليد حظها من المس وكان كبار السلف يقرأون على سبيل التأنى والتدبر للوقوف على اسراره وحقائقه كما حكى ان الشيخ العطار قدس سره كان يختم فى اوائله فى كل يوم ختمة وفى كل ليلة ختمة ثم لما آل الامر الى الشهود واخذ الفيض من الله ذى الجود بقى فى السبع الاول من القرآن اكثر من عشرين سنة ومن الله العناية والهداية
ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171)
{ ولقد سبقت } اى وبالله لقد تقدمت فى الازل او كتبت فى اللوح المحفوظ ثم ان السبق والتقدم الموقوف على الزمان انما هو بالنسبة الى الانسان والا فالامر بالاضافة الى الله كائن على ما كان { كلمتنا } وعدنا على ما لنا من العظمة { لعبادنا } الذين اخلصوا لنا العبادة فى كل حركة وسكون { المرسلين } الذين زدناهم على شرف الاخلاص فى العبودية شرف الرسالة ثم فسر ذلك الوعد بطريق استئناف (12/101)
إنهم لهم المنصورون (172)
{ انهم لهم } خاصة { المنصورون } فمن نصرناه فلا يغلب كما ان من خذلناه لا يغلب ثم عمم (12/102)
وإن جندنا لهم الغالبون (173)
فقال { وان جندنا } اى من المرسلين واتباعهم المؤمنين والجند العسكر { لهم } اى لا غيرهم { الغالبون } على اعدائهم فى الدنيا والآخرة وان رؤى انهم مغلوبون فى بعض المشاهد لان العاقبة لهم والحكم للغالب والنادر كالمعدوم والمغلوبية لعارض كمخالفة امر الحاكم وطمع الدنيا والعجب والغرور ونحو ذلك لا تقدح فى النصر المقضى بالذات . والنصر منصب شريف لا يليق الا بالمؤمن واما الكافر فشأنه الاستدراج وغاية الخذلان (12/103)
وقال بعضهم لم يرد بالنصر هذا النصر المعهود بل الحجة لان الحق انما يتبين من الباطل بالحجة لا بالسيف فاراد بذلك ان الحجة تكون للانبياء على سائر الامم فى اختلاف الاطوار والاعصار
وقال الحسن البصرى رحمه الله اراد بالنصرة هذه النصرة بعينها دون الحجة ثم قال ما انتهى الى ان نبيا قتل فى حرب قط
يقول الفقير اراد الحسن المأمور بالحرب منصور لا محالة بخلاف غير المأمور وهو التوفيق بين قوله تعالى { وتقتلون النبيين } ونظائره وبين هذه الآية وامثالها
والحاصل ان المؤمنين المخلصين هم المنصورون والغالبون لان المستند الى المولى الغالب العزيز هو المنصور المظفر الغالب القاهر واعداءهم هم المنهزمون المغلوبون لان المستند الى غير الله خصوصا الى الحصون والقلاع المبنية من الاحجار هو المنهزم المدمر المغلوب المقهور
تكيه برغير بود جهل وهوى ... نيست آنجام اعتماد سوى
ثم ان جنده تعالى هم مظاهر اسمه العزيز والمنتقم ومظاهر قوله { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق }
وفى التأويلات النجمية جنده الذين نصبهم لنشر دينه واقامهم لنصر الحق وتبيينه فمن اراد اذلالهم فعلى اذ قانه يخر
والجند كما ورد فى الحديث جندان جند الوغى وجند الدعاء فلا بد لجند الوغى من عمل الوغى وشغل الحرب ولجند الدعاء من عمل الدعاء وشغل الادب فمن وجد فى قلبه الحضور واليقظة فليطمع فى الاجابة ومن وجد الفتور والغفلة فليخف عدم الاصابة
كة دعاى تو مستجاب شود كه بيك روى درد ومحراب
وفى الحديث « لا تزال طائفة من امتى يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناواهم » اى عاداهم « حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال » ولا شك ان الملوك العثمانية خاتمة هذه الطائفة وعيسى والمهدى عليهما السلام خاتمة الخاتمة والصيحة الواحدة الآخذة كل من بقى على الارض عند قيام الساعة من الكفرة الفجرة خاتمة خاتمة الخاتمة
فتول عنهم حتى حين (174)
{ فتول عنهم } اى اذا علمت ان النصرة والغلبة لك ولا تباعك فاعرض عن كفار مكة واصبر على اذاهم { حتى حين } اى مدة يسيرة وهى مدة الكف عن القتال فالآية محكمة لا منسوخة بآية القتال (12/104)
وأبصرهم فسوف يبصرون (175)
{ وابصرهم } على اسوء حال وافظع نكال حل بهم من القتل والاسر والمراد بالامر بابصارهم الايذان بغاية قربه كأنه بين يديه يبصره فى الوقت والا فمتعلق الابصار لم يكن حاضرا عند الامر { فسوف يبصرون } ما يقع حينئذ من الامور (12/105)
وفى التأويلات وابصر احوالهم فسوف يبصرون جزاء ما عملوا من الخير والشر انتهى .
وسوف للوعيد ليتوبوا ويؤمنوا دون التبعيد لان تبعيد الشئ المحذر منه كالمنافى لارادة التخويف به ولما نزل { فسوف يبصرون } قالوا استعجالا واستهزاء لفرط جهلهم متى هذا
أفبعذابنا يستعجلون (176)
ن يستعجلون } اى أبعد هذا التكرير من الوعيد يستعجلون بعذابنا والهمزة للانكار والتعجب يعنى تعجبوا من هذا الامر المستنكر : وبالفارسية [ آيا بعذاب ما شتاب ميكنند ووقت نزول آن مى برسند ] (12/106)
وفى التوراة « أبى يغترون ام على يجترئون : يعنى [ بمهلت دادن وفرا كذشتن من فريفته شوند يا بر من ديرى كنند ونمى ترسند ]
فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177)
{ فاذا نزل } العذاب الموعود { بساحتهم } (12/107)
قال فى المفردات الساحة المكان الواسع ومنه ساحة الدار انتهى
وفى حواشى ابن الشيخ الساحة الفناء الخالى عن الابنية وفناء الدار بالكسر ما امتد من جوانبها معدا لمصالحها : وبالفارسية [ ييشكاه منزل ] والمعنى بفنائهم وقربهم وحضرتهم كأنه جيش قد هزمهم فاناخ بفنائهم بغتة { فساء صباح المنذرين } فبئس صباح المنذرين صباحهم اى صباح من انذر بالعذاب وكذبه فلم يؤمن واللام للجنس فان افعال المدح والذم تقتضى الشيوع والابهام والتفصيل فلا يجوز ان تكون للعهد . والصباح مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب ولما كثرت منهم الاغارة فى الصباح سموها صباخحا وان وقعت ليلا
قال الكاشفى [ آورده اندكه درميان عرب قتل وغارت واسر بسيار بود هر لشكر كه قصد قبيلة داشتندى شب همه شب راه ييموده وقت سحر كه خواب كرانيست بحوالة ايشان آمدندى ودست بقتل وغارت واسر وتاراج بركشاده قوم را مستأصل كردندى وبدين سبب كه اغلب غارت در صباح واقع مى شد غارت را صباح نام نهادند وهرجند در وقتى ديكر وقوع يا فتى همان صباح كفتندى ]
وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179)
{ وتول عنهم حتى حين وابصر فسوف يبصرون } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم اثر تسلية وتأكيد لوقوع الميعاد تأكيد مع ما فى اطلاق الفعلين عن المفعول من الايذان بان ما يبصره عليه السلام من فنون المسار وما يبصرون من انواع المضار لا يحيط به الوصف والبيان (12/108)
وفى البرهان حذف الضمير من الثانى اكتفاء بالاول
سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180)
{ سبحان ربك } خطاب للنبى عليه السلام وقوله { رب العزة } بدل من الاول { عما يصفون } اى نزه يا محمد من هومر بيك ومكر ومالك العزة والغلبة على الاطلاق عما يصفه المشركون به مما لا يليق بجناب كبريائه من الاولاد والازواج والشركاء وغير ذلك من الاشياء التى من جملتها ترك نصرتك عليهم كما بدل عليه استعجالهم بالعذاب (12/109)
قال فى بحر العلوم اضاف الرب الى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل ذى العزة كقولك صاحب صدق لاختصاصه بالصدق فلا عزة الا له على ان العزة ذاتية او لمن اعزه من الانبياء وغيرهم فالعزة حادثة كائنة بين خلقه وهى وان كانت صفة قائمة بغيره تعالى الا انها مملوكة له مختصة به يضعها حيث يشاء كما قال تعالى { تعز من تشاء } وفيه اشعار بالسلوب والاضافات كما فى قوله تعالى { تبارك اسم ربك ذى الجلال والاكرام } وذلك ان قوله سبحان اشارة الى السلوب كالجلال فان كل منهما يفيد ما افاد الآخر فى قولنا سبحان ربنا عن الشريك والشبيه وجل ربنا عنهما . وقوله ربك رب العزة اشارة الى الاضافات كالاكرام وانما قدم السلب على الاضافة لان السلوب كافية فيها ذاته من حيث هو هو بخلاف الاضافات فانه لابد من تحققها من غيره لان الاضافة لا توجد الا عند وجود المضافين
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام سبحان الله كلمة مشتملة على سلب النقص والعيب عن ذات الله وصفاته فما كان من اسمائه سلبا فهو مندرج تحت هذه الكلمة كالقدوس وهو الطاهر من كل عيب والسلام وهو الذى سلم من كل آفة فنفينا بسبحان الله كل عيب عقلناه وكل نقص فهمناه . ثم ان المرسلين لما كانوا وسائط بين الله وبين عباده نبه على علو شانهم
وسلام على المرسلين (181)
{ وسلام } وسلامة ونجاة من كل المكاره وفوز بجميع المآرب { على المرسلين } الذين يبلغون رسالات الله الى الامم ويبينون لهم ما يحتاجون اليه من الامور الدينية والدنيوية او لهم وآخرهم محمد عليهم السلام فهو تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم فيما سبق لان تخصيص كل واحد بالذكر يطول وفى الحديث « اذا سلمتم على فسلموا على المرسلين فانما انا احدهم » كما فى فتح الرحمن وحواشى ابن الشيخ وغيرهما وفى الحديث « اذا صليتم على فعمموا » اى للآل والاصحاب (12/110)
قال فى المقاصد الحسنة لم اقف عليه بهذا اللفظ ويمكن ان يكون بمعنى صلوا على وعلى انبياء الله فان الله بعثهم كما بعثنى انتهى
والحمد لله رب العالمين (182)
{ الحمد لله رب العالمين } (12/111)
قال الشيخ عز الدين الحمد لله كلمة مشتملة على اثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته تعالى فما كان من اسمائه متضمنا للانبات كالعليم والقدير والسميع والبصير فهو مندرج تحتها فاثبتنا بالحمد لله كل كمال عرفناه وكل جلال ادركناه
قال المولى ابو السعود هذا اشارة الى وصفه تعالى بصفاته الكريمة الثبوتية بعد التنبيه على اتصافه بجميع صفاته السلبية وايذان باستتباعها للافعال الجميلة التى من جملتها افاضته عليهم من فنون الكرامات السنية والكمالات الدينية والدنيوية واسباغه عليهم وعلى من اتبعهم من فنون النعماء الظاهرة والباطنة الموجبة لحمده تعالى واشعار بان ما وعده من النصرة والغلبة قد تحقق . والمراد تنبيه المؤمنين على كيفية تسبيحه وتحميده والتسليم على رسله الذين هم وسائط بينهم وبينه عز وجل فى فيضان الكمالات الدينية والدنيوية عليهم ولعل توسط التسليم على المرسلين بين تسبيحه تعالى وتحميده لختم السورة الكريمة بحمده مع ما فيه من الاشعار بان توفيقه عليهم من جملة نعمه الموجبة للحمد انتهى
وقال بعضهم والحمد لله على اهلاك الكافرين وانجاء المؤمنين وعلى كل حال يعنى هو المحمود فى كل من الحالات ساء ام سر نفع ام ضر
در بلا ودر ولا الحمد خوان ... اين بود آيين باك عاشقان
وعن على رضى الله تعالى عنه من احب ان يكتال بالمكيال الا وفى من الاجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك الخ
وفى بعض النسخ من احب ان يكال له واليه الاشارة بقوله الكاشفى [ هركه دوست ميداردكه برو ييمايند مزد ثواب را به ييمانة بزر ركتر بايد كه آخر كلام او از مجلس اين آيت باشد ]
يقول الفقير اصلحه الله القدير فللمؤمن ان يتدارك حاله بشيئين قبل ان يقوم من مجلسه احدهما بجلب الاجر الجزيل وهو بالآية المذكورة . والثانى بالكفارة وهو بما اشار اليه النبى عليه السلام فى قوله « من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه فقال قبل ان يقوم سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا انت استغفرك واتوب اليك فقد غفر له » يعنى من الصغائر ما لم يتعلق بحق آدمى كالغيبة كما فى شرح الترغيب المسمى بفتح القريب
فعلى العاقل ان لا يغفل فى مجلسه بل يذكر ربه لانسه ويختمه بما هو من باب التخلية والتحلية والتصقية والتجلية وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين
ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2)
{ ص } خبر مبتدأ محذوف اى هذه سورة ص كما مر فى اخواته [ بعضى بر آنندكه حروف مقطعه براى اسكات كفارست كه هروقت كه حضرت محمد عليه السلام در نماز وغير آن قرآن بجهر تلاوت فرمودى ايشان ازروى عناد صفير زدندى ودست بردست كوفتندى تا آن حضرت درغلط افتد حق سبحانه وتعالى اين حروف فرستاد تا ايشان بعد از استماع آن متأمل ومتفكر شده از تغليط باز مى ماندند ] (12/112)
وقال الشعبى ان الله تعالى فى كل كتاب سرا وسره فى القرآن فواتح السور
وقال بعضهم ص مفتاح اسمه الصادق والصبور والصمد والصانع
وفى التأويلات النجمية يشير الى القسم بصاد صمديته فى الازل وبصاد صانعيته فى الوسط وبصاد صبوريته الى الابد وبصاد صدق الذى جاء بالصدق وصاد صديقية الذى صدق به وبصاد صفوته فى مودته ومحبته ا ه
وقال ابن جبير رضى الله عنه { ص } يحيى الله به الموتى بين النفختين
وقال ابن عباس رضى الله عنهما { ص } كان بحرا بمكة وكان عليه عرش الرحمن اذ لا ليل ولا نهار
وفى بعض المعتبرات كان جبلا بمكة ومضى شرح هذا الكلام فى اول { المص } وقيل فى { ص } معناه ان محمدا عليه السلام صاد قلوب الخلائق واستمالها حتى امنوا به كما قال فى انسان العيون ومما لا يكاد يقضى منه العجب حسن تدبيره عليه السلام للعرب الذين هم كالوحوش الشاردة كيف ساسهم واحتمل جفاءهم وصبر على اذاهم الى ان انقادوا اليه واجتمعوا عليه صلى الله عليه وسلم واختاروه على انفسهم وقاتلوا دونه اهلهم وآباءهم وابناءهم وهجروا فى رضاه اوطانهم انتهى
يقول الفقير اغناه الله القدير سمعت شيخى وسندى قدس سره وهو يقول ان قوله تعالى { ق } اشارة الى مرتبة الاحدية التى هى التعيين الاول كما فى سورة الاخلاص المصدرة بكلمة قل المبتدأة بحرف ق وقوله ص اشارة الى مرتبة الصمدية التى هى التعيين الثانى المندرجة تحته مرتبة بعد مرتبة وطورا بعد طور الى آخر المراتب والاطوار { والقرآن ذى الذكر } الواو للقسم . والذكر الشرف والنباهة او الذكرى والموعظة او ذكر ما يحتاج اليه فى امر الدين من الشرائع والاحكام وغيرها من اقاصيص الانبياء واخبار الامم الماضية والوعد والوعيد وحذف جواب القسم فى مثل ذلك غير عزيز والتقدير على ما هو الموافق لما فى اول يس ولسياق الآية ايضا وهو عجبوا الخ ان محمدا الصادق فى رسالته وحق نبوته ليس فى حقيقته شك ولا فيما انزل عليه من القرآن ريب { بل الذين كفروا } من رؤساء اهل مكة فهو اضراب عن المفهوم من الجواب { فى عزة }
قال الراغب العزة حالة مانعة للانسان من ان يغلب ويمدح بالعزة تارة كما فى قوله تعالى
{ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } لانها الدائمة الباقية وهى العزة الحقيقية ويذم بها اخرى كما فى قوله تعالى { بل الذين كفروا فى عزة } لان العزة التى هى التعزز وهى فى الحقيقة ذل وقد تستعار للحمية والانفة المذمومة وذلك فى قوله تعالى { اخذته العزة بالاثم } انتهى (12/113)
وقد حمل اكثر اهل التفسير العزة فى هذا المقام على الثانى لما قالوا بل هم فى استكبار عن الاعتراف بالحق والايمان وحمية شديدة : وبالفارسية [ درسركشىند از قبول حق ] { وشقاق } اى مخالفة لله وعداوة عظيمة لرسول الله عليه السلام فلذا لا ينقادون
وفى التأويلات النجمية وبقوله { والقرآن ذى الذكر } يشير الى القسم بالقرآن الذى هو مخصوص بالذكر وذلك لان القرآن قانون معالجات القلوب المريضة واعظم مرض القلب نسيان الله تعالى كما قال { نسوا الله فنسيهم } واعظم علاج مرض النسيان بالذكر كما قال { فاذكرونى اذكركم } ولان العلاج بالضد وقوله { بل الذين } الخ يشير الى انحراف مزاج قلوب الكفار بمرض نسيان الله من اللين والسلامة الى الغلظة والقساوة ومن التواضع الى التكبر ومن الوفاق الى الخلاف ومن الوصلة الى الفرقة ومن المحبة الى العداوة ومن مطالعة الآيات الى الاعراض عن البحث فى الادلة والسير للشواهد
كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3)
{ كم } مفعول قوله { اهلكنا } ومن فى قوله { من قبلهم } لابتداء الغاية وقوله { من قرن } تمييز . والقرن القوم المقترنون فى زمن واحد . والمعنى قرنا كثيرا اهلكنا من القرون المتقدمة اى امة من الامم الماضية بسبب الاستكبار والخلاف { فنادوا } عند نزول بأسنا وحلول نقمتنا استغاثة او توبة واستغفارا لينجوا من ذلك : وبالفارسية [ بس ندا كردند و آواز بلند برداشتندتا كسى ايشانرا بفريادرسد ] { ولات حين مناص } حال من ضمير نادوا اى نادوا واستغاثوا طلبا للنجاة والحال ان ليس الحين حين مناص اى فوت وفرار ونجاة لكونه حالة اليأس : وبالفارسية [ ونيست آن هنكام وقت رجوع بكريز يزكاه ] (12/114)
فقوله لا هى المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب وثم وخصت بنفى الاحيان ولم يبرز الا احد معموليها اسمها او خبرها والاكثر حذف اسمها
وفى بعض التفاسير لات بمعنى ليس بلغة اهل اليمن انتهى . والوقف عليها بالتاء عند الزجاج وابى على وعند الكسائى نحو قاعدة وضاربة وعند ابى عبيد على لا ثم يبتدىء تحين مناص لانه عنده ان هذه التاء تزاد مع حين فيقال كان هذا تحين كان ذاك كذا فى الوسيط . والمناص المنجأ اى النجاة والفوت عن الخصم على انه مفعل من ناصه ينوصه اذا فاته اريد به المصدر ويقال ناص ينوص اى هرب وقال اى تأخر ومنه ناص قرنه اى تأخر عنه حينا
وفى المفردات ناص الى كذا التجأ اليه وناص عنه تنحى ينوص نوصا . والمناص الملجأ انتهى [ در معالم فرموده كه عادت كفار مكى آن بودكه جون دركارزاركار بر ايشان زار شدى كفتندى مناص مناص يعنى بكر زيد حق سبحانه وتعالى خبر ميدهدكه بهنكام حلول عذاب دربدر خلاص مناص خواهند كفت وآنجا جاى كريز نخواهدبود ]